أن تكون الأكثرية الشعبية والقانون الانتخابيّ وقوّة السلاح إلى جانبك ثم تخسر الإنتخابات
مؤامرة المال والشعب والحريّة على الجنرال عون
ينطلق العماد ميشال عون من شعور عميق بالمظلوميّة التاريخيّة. كانت الرئاسة "معقودة" له وتنازل عنها ولم يعطَ جائزة ترضية أو تعويضاً، والآن هو مُطالب بالتخلي عن توزير صهره، فما الذي يريدون أكثر؟
الرئاسة عند الجنرال حقّ طبيعيّ ومكتسب. هو ضحّى لعقدين في سبيلها، ثم أنتهى إلى التضحية بها، إلا أنّ الحقّ الطبيعي يظلّ كذلك ولا يمكن التنازل عنه هو الآخر. فالجنرال، عند تضحيته بالرئاسة في أعقاب "إتفاق الدوحة" ـ وعلى الوجه الذي إستحقّ تنويه الرئيس السوريّ بشّار الأسد، كان يقدّم درساً في التفاني ونكران الذات، لكنّ الغير لم يفهم ذلك إمّا عن جهل وإمّا عن سوء نيّة. هو يتنازل عن أرفع منصب وهم يتّهمونه بالتعطّش إلى المناصب له ولأقربائه ومقرّبيه. هو يتنازل عن حقّه الطبيعيّ والآخرون لا يتنازلون عن حقوقهم الطبيعيّة المكتسبة. فكيف يجوز ذلك؟
يكبر الإحساس بالمظلوميّة التاريخيّة عند الجنرال، كونه وبدل أن يكافئ على "تضحيته ما بعد إتفاق الدوحة"، صار يُحشَر في الزاوية أكثر فأكثر.
في الأساس، تنازل بعد الدوحة عن الرئاسة "مؤقتاً". ثمة من جاء يعده بـ"إرجاعها" له بعد عام ونيّف، أي مع إقتراب إستحقاق 2009 الإنتخابيّ. والجنرال ليس ساذجاً أبداً كي يصدّق كل من يجزيه وعداً من هذا القبيل، لكنّه كان يعدّ العدّة على طريقته للتحرّك بهذا الإتجاه بعد إستحقاق 2009، هذا لو فازت به قوى 8 آذار.
وعشيّة الإنتخابات، جرت دغدغة الإحساس التاريخيّ للجنرال بالمظلوميّة، عندما جرى الحديث عن أهميّة المجلس الذي سيختار حكومة ويختار رئيساً للجمهوريّة، لكن ما حصل أنّ الإنتخابات خذلت قوى 8 آذار.
في البداية، "اعترفت" قوى 8 آذار بالنتيجة بـ"روح رياضية"، ثم راحت تظهر وراء هذه الروح الرياضية إستعداداً للغمّ والنكد غير مسبوق. وعلى هذا الأساس وصل العماد ميشال عون في تشخيصه الأخير للتعامل مع الإنتخابات الأخيرة كما لو كانت "مؤامرة".. ومؤامرة جرى إحباطها على دفعات.
فقوى 8 آذار التي كانت تصرّ على أنّ الإنتخابات "عادية" لا "مصيريّة"، صارت اليوم تعتبرها "مؤامرة" استطاعت مواجهتها بـ"مصيريّة".
المؤامرة كما يرويها الجنرال مؤخراً، اجتمع فيها ثلاثيّ الشرّ: المال والشعب والحريّة. الجنرال وصهره حركة مقاومة بوجه ثلاثيّ المال والشعب والحرّية. المال يشتري الضمائر. الشعب له ثمن يُشرى به ويباع بالجملة والمفرّق. الحرّية، وتحديداً حريّة الإعلام، تسوّغ وتحرّض على بيع الضمائر.
لأجل ذلك، فإن الفوز على هذه المؤامرة وإن لم يكن مقدّراً بشكل مباشر من خلال تأمين فوز قوى 8 آذار بالأكثريّة، فإنّه تأمّن بشكل غير مباشر، مرة من خلال "تفشيل" مخطّط قوى 14 آذار لإنتزاع أكثريّة الثلثين، على ما فطن البعض إليه من تفاسير، ومرة من خلال "تفخيخ" التضامن داخل قوى 14 آذار.
لكن هل على هذا الأساس كان قادة قوى 8 آذار يؤكّدون لقواعدهم، وإلى حين موعد فرز آخر صندوق، أنّهم سيربحون الإنتخابات، لا محالة، ومهما كانت نسبة المال فيها ومهما كانت سطوة الإعلام المعادي للممانعة؟ هل كانت "استطلاعات رأي" المراكز المحبّة للممانعة تفترض مالاً أقلّ أو إعلاماً ألين أو شعباً بمزايا أخرى؟ ألم يصل الأمر قبل الإنتخابات إلى حدّ تسلّل جو من التشاؤم إلى أوساط "الحركة الإستقلالية" نفسها من نتيجة الإنتخابات؟ ألم يثبت الشعب في 7 حزيران إنّه أكثر جذريّة من كل تلاوين هذه الحركة الإستقلاليّة يوم صوّت لها، رغم كل شيء؟ ألم يصوّت لها هذا الشعب ليس فقط لإقتناعه بالأربعة عشر بنداً في البرنامج الإنتخابيّ لقوى 14 آذار وإنّما أيضاً بالبنود الضمنيّة والمتعلّقة بإستكمال السيادة والإستقلال والوقوف بوجه "السلاح"؟
بدلاً من كل هذا جرت المسارعة إلى إبتداع نظريّة "الأكثرية الشعبية" في وجه "الأكثرية النيابية"، والعماد عون عاد بقوة إلى هذه النظريّة مؤخّراً ليقوي بها مظلوميّته؟ لكنّه إذّاك يجعل مظلوميّته عالة على مظلوميّة الآخرين؟ فالمنطق الذي على أساسه تحتسب أكثريّة شعبية غير نيابية لـ"8 آذار" إعتباطيّ مغلوط، لا يتوافق مع أدنى شروط "الرياضيات الإنتخابيّة" وهو يكتفي بالتلطي بالمعيار الديموغرافيّ ـ المذهبيّ. إنّه منطق الإثارة المذهبيّة، وهو يتعلّق بفعل الإنجاب أكثر مما يتعلّق بفعل التصويت، ومن المستغرب أن يلجأ العماد عون إلى منطق "الأكثرية الشعبية" اللانيابية، لأنّه يفترض في الأساس بهذا المنطق أن يخيف المسيحيين ويشعرهم بأنّهم باتوا أقليّة مهدّدة عقد مناصفتها مع المسلمين في هذا البلد؟
وفي كل الحالات، يشبه البحث عن "اكثرية شعبية" وهمية في وجه تلك النيابية، حال من يخسر مباراة في كرة القدم وبفارق هدفين مقابل هدف، ثم يمنّي النفس بأنّ الكرة كانت مع فريقه أكثر الأوقات. جميل أن تسيطر على الكرة لكن المسألة هي أن تسجّل بها أهدافاً. حتى لو افترضنا أنّ الأكثريّة الشعبية معك، وبما أنّ القانون الإنتخابيّ قد أمليته بنفسك وتفاخرت بذلك مطولاً وجعلته من عناوين دعايتك الإنتخابية، وبما أن الظرف الأمنيّ الضاغط باركته بعد أن فرضه حليفك في 7 أيّار أمام أعين كل العالم الذي وقف ساكتاً وأمام أميركا التي برهنت يومها أنّ "الإمبريالية ـ في لحظات كهذه ـ نمر من ورق"، فما الذي تريده أكثر من ذلك؟
أن تتمتع بالأكثرية الشعبية، وبالقانون الإنتخابي المفروض بالظرف الأمنيّ، وتفشل بعد كل ذلك في إنتزاع أكثرية نيابية، وتمنّي نفسك بأنّ هناك "إعادة إنتشار" داخل الأكثرية، فهذا يدلّ على عظيم الإفلاس، وهذا لا يعني "التيّار الوطنيّ الحرّ" فقط، وإنّما قوى 8 آذار ككل.
المظلوميّة شيء والعجز عن التدبير السياسيّ شيء آخر تماماً. وعندما تكون الأكثرية الشعبية والسلاح والضغط الأمنيّ والقانون الإنتخابيّ وقوى إقليميّة ممانعة في صفّك وتفشل، فهذا يعني في حدّه الأدنى العجز عن التدبير السياسيّ، ويستدعي في حدّه الأدنى أيضاً تغييراً في بعض الطاقم الذي على أساسه جرى خوض النزال، وبعض هذا الطاقم جبران باسيل.