معركة الجنرال
يمكن التشكيك في كل ما يختزله الجنرال ميشال عون، إلا في فرديته التي يبدو انها تشكل الحافز الوحيد لمعركته الضارية من أجل توزير صهره وتحجيم رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وهي معركة تجافي أي منطق سياسي داخلي، لكنها تدحض كل اتهام يوجه اليه الآن من قبل خصومه بانه يأتمر بأوامر سوريا أو إيران..
وهي ليست المرة الاولى التي يضع فيها عون البلد كله في مأزق، لاسباب خاصة جدا لا شأن لها بأي تدخل خارجي بل هي تتعارض مع مواقف حلفائه في الداخل والخارج وتضعهم في موضع حرج جدا، يختبر هذا الحلف المقدس الذي فقد مؤخرا الكثير من عناصر قداسته.. ما يعني أن احدا لن يغامر في خوض معركة الجنرال حتى النهاية، سواء باللجوء الى خطوة شبيهة بالاعتصام في وسط بيروت، او بتعطيل مساعي الحوار والانفتاح بين العواصم العربية والاجنبية المعنية.
الاقرب الى الواقع ان الجنرال سيكون وحيدا في هذه المعركة الخاصة جدا. وهو لم يحصل حتى الآن على الدعم الكافي من اي من حلفائه الاقوياء سواء في حزب الله او حركة امل. تلقى بعض التغطية التي لا تضمن النجاح في الحصول على مطالبه بالاعتماد فقط على ضغوط شارع مسيحي منقسم ومتردد حتى إزاء تلك المطالب المبالغ بها، التي عززت قلقه من كلفة الخسارة المرجحة لمثل هذه المعركة.. التي ليس لها اي تبرير سوى انها تدور في لحظة فراغ.
وكما هي حال حلفاء الداخل المحرجين من عون، يمكن الزعم ان سوريا لن تخاطر برغبتها في المصالحة مع السعودية ومصر ولا في توقها للحوار مع اميركا ولا حتى في مصلحتها بالانفتاح على الغالبية اللبنانية وعلى سعد الحريري تحديدا، من اجل ان تضمن للجنرال حصته الوزارية المنافية أصلا للتفاهم الوحيد الذي أجمع عليه العالم كله، وهو إحياء موقع رئاسة الجمهورية ودورها المركزي في تفادي الفتنة الداخلية وفي اعادة بناء المؤسسات العسكرية والامنية..
وكذا الحال بالنسبة الى إيران التي لم يعد بإمكانها ان تخصص الكثير من الوقت والجهد والمال من اجل معركة تفصيلية لا تخدم تحالفاتها الرئيسية في لبنان مع حزب الله وسوريا، ولا تنفع في تشكيل صورتها الجديدة التي تتطلب المزيد من المرونة والاعتدال مع العرب والاميركيين.. ولا يمكن ان تكون سندا قويا لها حتى ولو ارادت ان تتحدى العالم كله الذي تتهمه بالتسبب في ازمتها الداخلية الاخيرة، وأن تجعل من لبنان ميدان التحدي الاول.
هي معركة تكاد تكون انتحارية بالنسبة الى عون، كما هي حال معظم معاركه السابقة. لكن ذلك لا يعني ان خسارتها حتمية، لان دوافعها لا تختلف عن دوافع خصومه الذين اخطأوا اكثر من مرة في قراءة المواقف الخارجية وبنوا عليها حسابات شخصية تشبه حسابات الجنرال.