ممنوع المسّ بالوزير زياد بارود
في أكثر سجون العالم تاريخيّة في إجراءاتها الأمنيّة الموصوفة، وقعت أحداث هرب سجلها التاريخ، فكيف الحال بالسجون اللبنانية "المرتّة" حالاً وأحوالاً بفعل تخلّف وإهمال سنوات طويلة عمرها من عمر الدولة المتهرئة، لذا ليس من الجائز أن يتنطّح البعض لمجرّد "التعليك" و"التمريك" السياسي ليغمز من قناة وزير الداخلية زياد بارود، فمعاليه "وزير" وليس "حارس سجن"، ونظن أن أي تقصير وأي عجز في موضوع السجون تقع مسؤوليته على سلسلة طويلة عريضة من المسؤولين فيما "شبه الدولة" اللبنانية -عناس وناس – حتى الساعة لم تأخذ قرارها بالانتقال إلى حال التحضّر في بناء سجون صحيّة، وأخرى آمنة للمجرمين الشديدي الخطورة، وسجون للأحداث، تفرز فيها الحالات بحسب جرائمها، وأن تحاسب القيّمين على السجون الذين يرضخون أحياناً طمعاً في ترقية أو رغبة في حظوة ما، في بلاد تعيش على سلسلة طويلة جداً ينادي بعضها البعض الآخر بـ "أمرك سيدنا"!!
ما يستحقّ التوقّف عنده هو هذا التوقيت اللافت الذي جاء بعد الهجوم المغلّف بسوليفان "الأبوة" الجنرالية التي ساوى فيها ميشال عون منزلة الوزير بارود بمنزلة صهره "الحلولي"، وبعدما "قصقص" الجنرال جوانج إنجازات وزير الداخلية ولم يترك عيباً إلا وألصقه بها!! فبعد أقل من 24 ساعة استيقظ اللبنانيون على "خبرية هروب" على طريقة الأفلام الكرتونية لعملية قيل لهم: "إنها فرار".. وأغلب الظن في توقيتها أنها: "تفرير" وفي توقيت مؤاتٍ جداً بعد هجوم على إنجازات وزارة ووزير الداخلية، وبعد كشف النيّة عن الرغبة في مصادرة وزارة الداخلية تمهيداً لوضع اليد على نتائج الانتخابات البلدية المقبلة، كأنها اللحظة الشبيهة بالانتخابات البلدية الشهيرة التي خاضتها الوصاية وإميل لحود و"أوبته" في وجه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، قد تكمن العقدة الحكومية في إحكام السيطرة على المفاصل الأمنية للبلد من جديد، وحزب الله يقف خلف خيال الظلّ ميشال عون رغبة في وضع يده على الوزارة الخطرة وعلى دوائر الأحوال الشخصية بسجلاتها وهوياتها، وبكل ما تعنيه الدائرة الأخيرة بخطورة وضع اليد عليها!!
ليس في لبنان هيئة خاصة بمتابعة السجون وتأهيلها، ولا هيئة أمنية لتأمين فرق متخصصة في حراسة والتعامل مع مساجينها ودرجات خطورتهم؟ ومن الأساس فكرة اللبنانيين عن الدرك والالتحاق بسلك قوى الأمن الداخلي أو التطوّع في الجيش اللبناني، فكرة "ضيعاوية" قديمة تتلخص بكلمتين: "ابن حكومة"، فالحرص على الوظيفة الحكومية ومنتفعاتها من طبابة ومدارس يشبه ضمانة لمدى العمر، والمشكلة قديمة قدم "نصف الدولة" التي لم تستطع يوماً أن تتحوّل إلى دولة!!
الآن يتسابق السياسيون لأنهم "فاضيين بل عاطلين عن العمل" للبحث عمّن يحمّلونه المسؤولية متجاهلين أنهم جميعاً متورطون، بدءاً من النائب الذي يقدّم صكّ الخدمات الإجتماعية وتزفيت زاروب أو شارع لانتخابه، إلى الواسطة التي تسيطر على العقل اللبناني، وذهنيّة التفلّت من القوانين، إذا كان اللبناني لا يحمله رأسه أن يلتزم بالوقوف عند إشارة السير الحمراء، فكيف سيتصرف بذهنية مواطن ينتظم في وطن ودولة؟
ونودّ أن نسجّل بضعة ملاحظات هنا لا بدّ من التوقف عندها، في وطن تخرج فيه قيادة سياسية لتطلب من الآخرين أن يراعوا خصوصية الطائفة لتعزل نفسها خوفاً من طائفة تملك قوة السلاح لتلتصق بها، كيف نبني وطناً؟ وفي بلد تنبحّ فيه قبيل الموسم الانتخابي أصوات مرشحين لتدافع عن "مسجونين" تحت عنوان "إسلاميين"، حتى السجون عندنا والمساجين تتحرك قضاياهم من مواقع طائفيّة، وفي بلد لا تبتّ فيه أحكام القضاء إلا بعد سنوات فيظل الموقوف موقوفاً "عمراً"، وقد لا يخرج إلى الحياة إلا إذا رقّ لحاله قلب رئيس عطوف إنسان، فيوقّع مرسوم عفوٍ عنه، لو حدث هذا في بلد غير لبنان لقاضى المسجون الدولة التي سجنته سنوات طويلة وخرج بعفو لا هو بريء فيه ولا مدان!!
ممنوع المسّ بالوزير زياد بارود، هذا الوزير تحديداً هو عند اللبنانيين خطّ أحمر، ولأسباب كثيرة، أولّها أنه جاء إلى الوزارة نظيفاً بكفاءته وبذل أقصى جهوده وقدّم أفضل ما لديه في بلد "كل مين إيدو إلو"!! ولأنه أيضاً عمل جاهداً، إلا أن يداً لوحدها لا تصفّق، والعادة اللبنانية أن كثيرين يرقبون الناجح والنظيف لينجّروا له "الخوازيق" ويضعوا العثرات في طريقه!!
وللذاكرة فقط، قد يحدث أن يحاول سجناء خطيرون الفرار من سجنهم، ولكن لمَ أقفل الجميع أفواههم وكفّوا عن السؤال : كيف وإلى أين وأين أصبح شاكر العبسي وزوجته الحاجة أم حسين التي ضللت التحقيق وتعرّفت عليه من شعر صدره والحجاب في حزام بنطاله؟ ولم كفّوا عن السؤال عمن أمّن عملية فراره من جبهة محاصرة عسكرياً، إلا إذا أراد البعض الظنّ أن اللبنانيين صدّقوا خبرية "الهجوم المضاد" لفتح طريق الهرب، مثلما يُراد لهم اليوم أن يصدّقوا "خبرية" عقد البطانيات ببعضها البعض وتسلقها حبلاً للنزول من الطابق الثالث في سجن رومية ؟ "شو مسجونين عالبلكون"؟ ثمّ كيف يُجمع عدد من السجناء المتهمين بعمليات إرهابية لتنظيم إرهابي مع بعضهم البعض، وما هذه السهولة في منافذ الهرب، ولولا الحياء وحتى لا تبدو العمليّة "أوفر" لكان معهم ربّما "سلّم إطفائية" يُسهّل لهم الهرب!!
نعم هناك ثغرات أمنية مخيفة، وقرار الفصل الذي اتخذه الوزير زياد بارود بالأمس هو واحد من أهم قراراته في تاريخ وزارة الداخليّة، وهذه "التركيبة" العوجاء آن لها أن تستقيم، فالوزارات سلسلة مترابطة ببعضها البعض، إلا أن السياسيّة في لبنان والمكاسب والمصالح الشخصيّة حوّلتها إلى جزر ومزاريب "ذهبّ" للنهب المنظم وعلى كل المستويات!!
نعرف أن الفراغ والضياع السياسي الذي يعيشه النواب "الملحقون" بقيادات سياسية، فدورهم لا يتعدّى كونهم "سقف حلق" لتعبئة الفراغ بإطلاق التصاريح بشكل يومي، و"بدهن حدث من غيمة"، لذا يسارعون إلى الإدلاء بدلائهم، مخجل هذا البلد، مخجل جداً، عندما يُكافىء كفاءاته بهذا النهش غير المتوقع، ففي وقت عمل فيه الوزير بارود ليل نهار، وكان سواه لا يعمل شيئاً سوى "طق الحنك" والتقاتل على "هبش" الحصص والغنائم تحت عنوان "حقّ الطائفة"، مخجل أن يظنّ هؤلاء أن الوزير بارود لا "ناخبين" له يحمونه لأنه وزير ولا حزب ولا تيار وراءه، زياد بارود كسبَ ثقة الشعب اللبناني بنظافة تاريخه وكفاءته العلمية والمدنية والعملية، وناخبوه من الشعب اللبناني عددهم أكبر بكثير من عدد ناخبي الذين سارعوا إلى "التشفّي" و"تقاذف المسؤولية" من أصحاب تصريحات المناسبات والركوب على ظهر العاملين بصمت من أجل بناء وطن، فيما هم ما زالوا يلهثون خلف حصتهم من"دويلات الطوائف"…