اتهام فريق في "14 آذار" بالخلايا الأمنية إعادة إنتاج لمرحلة ما قبل 1994.. زهرا: المخطط لن ينجح لأن "القوات" قوية بتاريخها ونضالاتها
كتب طوني أبي نجم: كثر في الآونة الأخيرة الحديث في وسائل الإعلام عن سيناريوات متجددة لعزل "القوات اللبنانية" ومحاصرتها، وواكبت ذلك موجة تصريحات لبعض السياسيين من حلفاء سوريا تتهم "القوات" بإعادة إنتاج خلايا أمنية، إضافة الى محاولة تشبيه المرحلة الحالية بمرحلة 1993 – 1994 للتذكير بالتحضير لحل حزب "القوات". كما واكب إعلام "حزب الله" هذه الموجة بإعادة استحضار ملف الإيرانيين الأربعة الذين فقدوا في الثمانينات من القرن الماضي. فإلى أي حدّ يمكن أن تنجح مساعي العزل الجديدة؟ وهل تصح المقارنة بين المرحلتين؟ في هذا التحقيق محاولة للإضاءة على الموضوع في قسمين، الأول يتناول الواقع السياسي، والثاني يتعرّض للجانبين الانساني والقانوني.
ركز عدد من وسائل الإعلام في عدد كبير من المقالات والتحليلات الصحافية على إعادة استحضار مرحلة 1993 – 1994 للتذكير بالأجواء السياسية والإعلامية التي مهّدت لـ"القرار الكبير" الذي صدر ليل 23 آذار 1994 وقضى بحل حزب "القوات اللبنانية"، والذي أُتبع باعتقال الدكتور سمير جعجع لأكثر من 11 عاما في سجن وزارة الدفاع.
مواكبون للمرحلة المذكورة يشيرون الى أن الظروف الإقليمية يومذاك كانت مختلفة جدا عن الواقع الذي تمرّ فيه المنطقة اليوم. فاعتبارا من لحظة اجتياح الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الكويت انقلبت المعادلات كلها في الشرق الأوسط، ما دفع بالولايات المتحدة الى عقد صفقة مع النظام السوري لتأمين تغطية عربية شاملة لدخول القوات الأميركية الى الخليج العربي. وقضت الصفقة يومذاك بإرسال الجيش السوري فرقة عسكرية رمزية تمثلت بما يقارب الـ300 جندي للمشاركة في حرب تحرير الكويت في مقابل إطلاق اليد السورية في لبنان.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ التطبيق المشوّه لاتفاق الطائف بعدما تم تكريس الرعاية السورية للملف اللبناني. ولكن سياسة بسط النفوذ السوري في لبنان اعتباراً من قرار حل الميليشيات الاستنسابي، والذي جمع سلاح الميليشيات المسيحية المتمثلة بـ"القوات اللبنانية" وأبقى على سلاح عدد من الميليشيات الأخرى وفي مقدمها "حزب الله" والميليشيات الفلسطينية خلافا لاتفاق الطائف، هذه السياسة واجهتها "القوات اللبنانية" سياسيا في الداخل رغم موازين القوى غير المتكافئة، بسبب عزلتها الداخلية بفعل نتائج الحرب الأهلية الداخلية والمتاريس النفسية والسياسية التي كانت لم تزل قائمة بين اللبنانيين. فالمسلمون لم يكونوا في وارد تقبل "القوات" التي كانت شاركت في الحرب بشراسة، والمسيحيون أيضاً انكفأوا عنها بفعل نتائج الحرب المسيحية الداخلية عام 1990. وبالتالي استسهل النظام السوري وحلفاؤه في الداخل اللبناني الانقضاض التدريجي على "القوات"، بدءاً من تصفية عدد كبير من كوادرها، مرورا بالاعتقالات والملاحقات ومحاولة وضع اليد على المؤسسات القواتية وحتى الإعلامية منها، كما حصل مع "المؤسسة اللبنانية للإرسال" في تموز 1992، وصولاً الى الرسائل الأمنية التي تمثلت بتفجير أول في بيت الكتائب المركزي في الصيفي وتفجير دراماتيكي لكنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل، بهدف واضح: إلصاق التهمة بـ"القوات" وحلّ "الحزب" بناء على ذلك، بعدما تم إسكات كل وسائل الإعلام الخاصة لتمرير المخطط.
معطيات مختلفة
لكن، وبحسب المتابعين أنفسهم، فإن المعطيات اليوم مختلفة كليا، ولا أوجه مقارنة على الإطلاق بين الأمس واليوم. فعلى الصعيد الإقليمي يبدو النظام السوري أمام امتحان دائم من المجتمع الدولي بعد 4 أعوام من العزلة الدولية القاسية. ويبدو واضحا أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تعتمد سياسة واضحة مع سوريا ترتكز على التقدّم خطوة في اتجاه إعادة ترتيب العلاقات معها في مقابل كل خطوة إيجابية تقوم بها سوريا تجاه لبنان أولاً والعراق ثانياً، وبالتالي فإن منطق الصفقات على حساب لبنان ولّى الى غير رجعة. كما أن النظام السوري ليس في موقع قوة ليدفع الولايات المتحدة في التفكير بعقد صفقة معه، بل ان ثمة أجندة على السوريين التقيّد بها في مقابل إعادة ربط سوريا بالمجتمع الدولي.
أما على الصعيد الداخلي في لبنان فحدّث ولا حرج عن اختلاف الأوضاع والمعطيات. فلا الجيش السوري وأجهزته موجودة في لبنان والنظام الأمني اللبناني – السوري سقط، ولا "القوات اللبنانية" معزولة بل تشارك في الحياة السياسية بفعالية من خلال نوابها ووزيريها وتحالفاتها الوطنية العريضة بفعل كونها فريقا أساسيا من تحالف قوى "14 آذار" التي أنجزت الاستقلال اللبناني الثاني.
المقارنة لا تجوز
عضو "تيار المستقبل" النائب أحمد فتفت يقول لـ"النهار": "رغم كل المحاولات التي يقوم بها البعض لتشبيه المرحلة الحالية بمرحلة مطلع التسعينات، لا يمكن المقارنة على الإطلاق لأن المرحلة التي نعيشها اليوم هي مرحلة انتصار الشعب اللبناني في الانتخابات النيابية الأخيرة لمصلحة قوى "14 آذار" والشعارات التي رفعتها، والتي تشكل "القوات اللبنانية" جزءا أساسيا منها. أما المحاولات التي تجري اليوم فإنها تهدف أساساً الى تطويق الرئيس المكلف سعد الحريري من خلال محاولات عزل حلفائه من خلال استفرادهم، ولن تنجح هذه المحاولات على الإطلاق. ولذلك فإن لا مجال لعزل أي فريق داخل 14 آذار مهما حاولوا. ولذلك نحن في "تيار المستقبل" نعتبر ان الوحدة الوطنية تشكل أهم تجليات "14 آذار"، ولذلك رفعنا شعار "لبنان أولا" ونعمل على توطيد أسس الوحدة الوطنية للدفاع عن جميع اللبنانيين، لأن أي محاولة للدفاع عن طرف واحد أو فئة واحدة تفشل، تماماً كما أي محاولة للدفاع عن المقاومة لوحدها كفئة مسلحة تفشل. ولذلك لا غنى عن الوحدة الوطنية لأنه لولاها على سبيل المثال في العام 2006 لما تمكن لبنان من تحقيق الانتصار ومن احتضان النازحين من الجنوب والبقاع الغربي".
عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب أنطوان زهرا يرى أن "المقارنة لا تجوز على الإطلاق بين المرحلتين. ثمة محاولة للإيحاء بإعادة إنتاج مرحلة مطلع العام 1994، وخصوصاً من خلال تكليف الوزير السابق وئام وهاب نقل رسائل سورية في تجاوز واضح لمبدأ العلاقات الديبلوماسية التي أقرّت بين البلدين. فكلام وهّاب عن أن الأجهزة الأمنية أعطته معلومات فيه إيحاء أن الأجهزة الأمنية اللبنانية عادت الى منطق ارتباطها بالمراجع السورية واللبنانية وليس بالمؤسسات اللبنانية، وهذا اتهام خطير من وهّاب للأجهزة الأمنية. أما بخصوص الكلام عن التطورات السياسية الجديدة في المنطقة وأن ثمة صفقة جديدة على حساب لبنان، فنحن نوافق على أن المنطقة تشهد تطورات جديدة، لكن الثابت أنها ليست ولن تكون في اتجاه تفويض سوريا لعب دور إقليمي أوسع من حدودها، لأن لبنان لم يعد مادة للتفاوض بالنسبة الى المجتمع الدولي. ومن ناحية أخرى، فإن عملية استفراد "القوات اللبنانية" تمت مطلع التسعينات كقوة ممانعة وحيدة في وجه الوصاية السورية، وذلك لا يمكن أن يتكرر نتيجة معطيات داخلية لبنانية تصب كلها في اتجاه تأكيد أن لـ"القوات" حضورها الشعبي والسياسي وأنها ترتبط بتحالفات لا تسمح باستفرادها في السياسة ولا أن يعاد رمي الاتهامات الباطلة والملفات المفبركة في وجهها. فالثابت أن هناك من يحاول فبركة ملفات، ولكن هؤلاء ليسوا في موقع يسمح لهم بذلك، والأجهزة الأمنية لم تعد موضوعة في تصرّف الاستخبارات السورية، وليس ثمة مرحلة وصاية جديدة تخوّل البعض استعمال الأجهزة الأمنية لخدمة هذه الوصاية. من جهة أخرى، فإن المرحلة الحالية بالنسبة الى "القوات اللبنانية" تغيّرت أيضاً، إذ أنه كان من السهل على بعضهم تشويه صورة "القوات" في مرحلة مطلع التسعينات، حين كانت "القوات" تتحوّل من ميليشيا الى حزب سياسي. أما اليوم، وبعد كل معاناة "القوات"، فهي أثبتت أنها تعمل كحزب سياسي يرتبط بشبكة علاقات داخلية وعربية ودولية، إضافة الى قاعدة شعبية واسعة بدليل ما حققه في الانتخابات النيابية الأخيرة من نتائج مباشرة وغير مباشرة، إضافة الى تميّز خطاب الدكتور سمير جعجع وجميع المسؤولين القواتيين ببعد وطني واضح وبتمسكهم بمشروع ثابت هو مشروع الدولة ومرجعيتها في كل ما يتعلق بالثوابت السيادية".
من المستهدف؟
أكثر من سؤال يطرح في الكواليس حول حقيقة من المستهدف من محاولات عزل "القوات اللبنانية" حالياً، ويبدو أن الجواب أصبح واضحاً في أذهان المعنيين، وهو أن الهدف الأول من كل الحملة هو محاولة تطويق "القوات" لمحاصرة الرئيس المكلف سعد الحريري سياسياً.
فتفت يعتبر أن كل المحاولات الجارية إنما تهدف أولاً وأخيراً الى ضرب روح 14 آذار التي أثمرت حرية وسيادة واستقلالا للبنان ونسجت أطر الوحدة الوطنية. وهذه المحاولات بدأت منذ اليوم التالي لـ14 آذار 2005 بهدف ضرب الإنجاز الذي حققه اللبنانيون في هذا اليوم. وإذا راجعنا أسماء معظم الخطباء الأساسيين في يوم 14 آذار 2005 نجد أنهم بغالبيتهم الساحقة تعرضوا إما لتصفية جسدية وإما لمحاولة تصفية سياسية، وهذا يشير الى نية واضحة في إنهاء روح 14 آذار. ومحاولات استهداف "القوات اللبنانية" اليوم هدفها التصويب على الرئيس المكلف سعد الحريري لمحاصرته وعزله عن حلفائه، وهذه المحاولات لن يكتب لها النجاح".
هل تمرّ الاتهامات مجدداً؟
فتفت يعتبر أن اتهام "القوات اللبنانية" بإنشاء خلايا أمنية "سخيف فعلا ولم تعد مثل هذه الاتهامات تنطلي على أحد، بل تشير أساسا الى عجز مطلقي الاتهامات لأنهم كانوا قبل أشهر قليلة يخونون كل أطياف "14 آذارط ويتهموننا بالعمالة لإسرائيل وما الى ذلك، فلا مشكلة في اتهامات مضحكة بإنشاء خلايا أمنية. المهم أن من يتهم طرفاً داخلياً بأمر كهذا مجانا ومن دون إثباتات إنما يكون يعمل على زرع الفتنة بين اللبنانيين، وهذا يشكل خدمة مجانية للعدو الإسرائيلي".
أما زهرا فيعتبر أن "التجربة السياسية لـ"القوات اللبنانية" خلال فترة المعاناة وانكشاف تركيب الملفات بحقها أنتجت تعاطفاً وطنياً وشعبياً كبيراً حولها، ما جعل التحالف بينها وبين بقية اللبنانيين في انتفاضة الاستقلال أمرا بديهيا وطبيعيا. والعمل السياسي الذي مارسته "القوات" في الأعوام الأربعة الماضية سواء بشكل يومي مع حلفائها داخل "14 آذار" او بشكل متقطع مع بقية الأطراف في لبنان يجعل الجميع يدركون أن لا أساس لمثل هذه الاتهامات سوى ضيق صدر مطلقيها ومن ورائها من ثبات "القوات" على اقتناعاتها السياسية. والفرق بين مطلع التسعينات واليوم في هذه الاتهامات أنهم في السابق أرادوا تأديب "القوات" لأنها كانت قوة الممانعة الوحيدة في وجه الوصاية السورية، أما اليوم فالعملية سياسية وتهدف الى إضعاف الحليف الأساسي لـ"القوات"، أي تحديداً محاصرة الرئيس المكلف سعد الحريري، كل هذه المحاولات لن تنجح على الإطلاق لأن "القوات قوية بتاريخها ونضالاتها وتضحياتها وجمهورها وأدائها السياسي وثباتها على المبادئ، وهي قوية أيضاً بتحالفاتها".