القديس ميشال يطوّب صهره مكرّماً
نابوليون بونابرت، الذي يطيب للنائب ميشال عون ان يتمثل به او يتعادل معه في تصرفاته وسلوكه وسيرته، رفض عند تتويجه امبراطوراً ان يضع احد تاج الامبراطورية على رأسه، بل امسك بالتاج بكلتا يديه ووضعه على رأسه متوّجاً ذاته امبراطوراً، واذا شئنا الاستطراد في سرد بعض سيرة نابوليون يمكن تسجيل ان «الاله» الذي عبدته الجماهير، اغرق فرنسا واوروبا بالدم والدمار، وانتهى منفياً في جزيرة لا عودة منها.
هذه الصورة الامبراطورية، لا شك عبرت في ذاكرة اللبنانيين وهم يتابعون النائب عون على شاشات التلفزيون، في مؤتمر صحافي يعتبر محطة تاريخية في اداء قيادي سياسي بحجم النائب عون، كان في مرحلة من حياته الزعيم الاوحد على الساحة السياسية، وما زال حتى اليوم يتمتع بتأييد شريحة واسعة من اللبنانيين، مدعّما بدعم شرائح اكبر واوسع، ترى فيه رهاناً رابحاً على مشروعها الخاص.
في مسرحية «نزل السرور» لزياد الرحباني، يقول احد الممثلين لزميل له يؤدي دوراً لشخصية ارمنية، عندما تتكلم، تخلط بين العربي والارمني، بمثل ما تخلط بين المواضيع، «تقلت حالتك كتير يا كرنيك» وفي الحقيقة ان حالة العماد عون «تقلت كتير» في تعامله مع افرقاء سياسيين اساسيين على الساحة اللبنانية، وفي مقاربته للقضايا والمشاكل التي تواجهه، ان على صعيد المواقف غير المنطقية وغير الواقعية التي يحشر ذاته فيها، او على خطابه ومفرداته وتعابيره التي لا تقال ضمن حيطان اربعة، فكيف بها تطير في الهواء يخدج بها آذان المستمعين، ويصفع بها الحياء، وهي لا تشكل قيمة اضافية لحجمه السياسي، بل تشدّ به الى الوراء.
* * * * * *
سبق وقلنا في مقال سابق، ان من حق اي قيادي ان يطلب توزير من يشاء من محازبيه ومعاونيه وحلفائه، وان يطالب بأي حقيبة يريد، ولكن ليس من حقه ان يستغلّ وضعاً معيناً، كوضع العماد عون الذي يتكئ على دعم حزب الله وسلاحه، ليهين الناس، ويضع شروطه، ويرفع سقفه، وينسف المصلحة العامة لحساب مصلحته الخاصة، فيطوّب صهره جبران باسيل مكرّماً وطوباوياً، بعدما اعلن هو قداسته، ولم ينتظر ان يطوّبه احد، ويخلط بين العاطفة الشخصية والعائلية، وبين الواقعية السياسية والاعراف التي حكمت عملية تشكيل الحكومات، وفي ذات الوقت يقول للناس الذين اسقطوا بعض مرشحيه في الانتخابات النيابية وبخطابه «الحصري» اصواتكم و… سوا».
بعض المحبّين، يبرر اللغة النابية التي استخدمها النائب عون في مؤتمره الصحافي الاخير بالقول ان الحملة ضد توزير الوزير الحالي جبران باسيل في الحكومة المقبلة قد اثارت غضب عون نظراً لعلاقته اللصيقة بصهره واخرجته عن طوره، وهذا القول والتبرير ليسا في محلّهما، لأن للعماد عون صولات وجولات في مثل هذا النوع من الكلام والمواقف شهدناها وسمعناها منذ تسلّمه السلطة في العام 1988، واذا كان جزء من هذا الخطاب مقبولا على علّاته في الانتخابات الا انه في استحقاقات مصيرية كمثل تشكيل حكومة في بلد يغلي بالمشاكل والخلافات والاخطار الداخلية والخارجية، يصبح نوعاً من القصف العشوائي الذي لا يوّفر احداً، ومن المستغرب في هذا المجال ان حزب الله، تحت شعار او غطاء ردّ الجميل للنائب عون على مواقفه في حرب تموز، يأخذ البلد باكمله الى مأزق كبير قد يتحوّل الى ازمة حكم، في ذات الوقت الذي يصرّ فيه نوابه وقياديوه على المطالبة بالاسراع في تشكيل الحكومة، طالما ان التوافق على الصيغة قد تمّ، وبالتالي لم يعد هناك هذه الاهمية للاسماء والحقائب، وموقف حزب الله هذا فوق انه غير مفهوم، الا انه ايضاً غير بريء ويحوم فوقه العديد من علامات الاستفهام والتعجّب.
* * * * *
من ضمن التناقضات التي يتصادم بعضها ببعض في تسلسل افكار النائب عون، كلامه على وزارة الداخلية التي شنّع بادائها الى درجة ان الناس اعتقدوا انه يتكلم عن مغارة علي بابا، وفي ذات الوقت يقول ان وزير الداخلية زياد بارود «بمعزّة جبران» ويقصد طبعاً صهره جبران باسيل، ولانه «يعزّ» زياد بارود كثيراً يريد ان ينتزع منه وزارة الداخلية التي نجح بارود في ادارتها نجاحاً كبيراً باعتراف الكل تقريباً، وسجّل فيها انجازات ستبقى تحمل اسمه وبصماته، وفات العماد عون انه يهجو بارود هجاء مقذعا في مجال مدحه عندما يقول ما معناه ان بارود لا يعرف شيئا ولا يسيطر على شيء في وزارة الداخلية التي تديرها جهات اخرى وتمسك هي بالادوات،
هذا كلام كبير جدا وخطير جدا خصوصا بالنسبة الى وزير مثل زياد بارود الحائز بجدارة على ثقة رئىس الجمهورية والذي قد يجدد له في وزارة الداخلية نظرا للاهلية والجدية والصلابة التي مارسها في عمله على رأس الوزارة ومن حق الناس على الوزير بارود وعلى المسؤولين الكبار في وزارة الداخلية ان يؤكدوا ما قاله عون او يبددوه مع تحميله مسؤولية اطلاق الكلام والشائعات على عواهنهما بحق وزارة هي صمّام الامان بالنسبة الى الحياة اليومية لكل لبناني ولكل مقيم على الارض اللبنانية اذا كان كلامه مجرد كلام يلوكه اللسان.
حسنا فعل سعد الحريري ابن الرئىس الشهيد العفّ اللسان رفيق الحريري، عندما جاء ردّه على العماد عون في اعلى مرتبة من الاتزان والتهذيب والتحسّس بالمسؤولية واثبت مرة اخرى بسلوكه ان رجل دولة من الطراز الاول قد ولد في لبنان.