العباءة السياسية بين تيمور وجبران باسيل
همروجتان شغلتا الرأي العام اللبناني، نجحتا في إيصال الرسائل الى من يعنيهم الامر. الاولى بدأها النائب وليد جنبلاط ظهر يوم الاحد في الثاني من شهر آب في الفندق – الرمز البوريفاج، صال فيها جنبلاط وجال في رحاب العروبة. ادهش الحلفاء في دعوتهم الى النضال وانه السبيل الوحيد للبقاء. اطلق موجات عالية من الحنين تذكر فيها جمال عبد الناصر وفلسطين الوطن السليب، عاد بالذكريات الحميمة الى شوارع دمشق، واكد للمرة الالف ان المقاومة تستطيع تأمين السيادة الحقيقية.
كانت الشعارات تتلاحق وتنطلق على غير هدى، كذلك تحدّدت الامكنة الجديدة لتموضع جنبلاط، لكن النوايا بقيت خافية وفي غير اتجاه، قلة من المحنكين الاشتراكيين عرفوا ان المقاصد الجنبلاطية هي تيمور، الوريث المنتظر، وان مسيرة الوريث يريدها الوالد ان تنطلق من ثوابت البيت الجنبلاطي التاريخية.
وان هفوة الاربع سنوات التي ارتكبها جنبلاط هي زلة لسان وفي اسوأ الاحوال غيمة صيف عابرة، لأن العراقة تكمن في ارجاء المختارة: نضال قومي وانفتاح مستمر على حركات التحرر العالمية، هذا هو صراط اهل البيت المستقيم.
لم تكد تخبو «طوشة» الهمروجة الجنبلاطية وتسحب من التداول من الاسواق السياسية المحلية حتى اطلّ العماد ميشال عون ليطلق الهمروجة الثانية. لكن وقائعها تختلف عن الاولى، فالعماد اوقف البلاد والعباد عن الحركة لأنهم انتظروه وانتظروا ما ستحمله وقائع مؤتمره الصحافي الطارئ، ففيه شهدوا اخر صرعات باسيل في عالم الخليوي.
وسمعوا جيدا عن انجازاته ولم تفت الجنرال الارقام المعقدة والمتشابكة، ولم تخفه الذاكرة في تعداد الـ Options الحديثة في عهد باسيل للاتصالات، فكان عون اقرب الى مدير عام للوزارة منه الى زعيم مسيحي خبر شؤونها وحفظ تقنياتها المتطورة، واسهب في شرح مزايا النقال في عهد الصهر المعطّل الذي عطّل المافيات والسرقات وهدر المال العام… هكذا تكلم الجنرال لأكثر من ساعة ونصف الساعة، تمسك خلالها بالوزير المقاوم، الصهر، والناجح في وزارته، وافهم من يعنيهم الامر ان القالب قد انكسر بعد ولادة جبران المنتظرة.
اراد الجنرال عبر خدمة الرسائل «Messagerie» ان يبعث رسائله الخليوية الى الجميع، رسم لحلفائه في المعارضة زيحاً سميكاً، لا يمكنهم تجاوزه: جبران وزيراً للاتصالات وهذا غير قابل للنقاش. فاذا كانت المعارضة تعمل وفق المنطق الاقليمي فهذا شأنها، واذا كان البعض فيها يريد الاحتفاظ «بالتنصت» فان جبران لم يقصّر في تأمين ملفّي تنصت SMS والهواتف الى من يعنيهم الامر.
كذلك ارسل عون تهديداته لمن تجرأ وهاجم خصوصاً الاعلاميين، وانه سيفضح ملفات كل من يستمر في التيه والضلال و«اللي مش عاجبو يدق راسو بالحيط». واراد ان «يزكزك» رئاسة الجمهورية بعدما تكرر الهجوم العوني عبر مقدمات نشرات الـO.T.V على رئيس الجمهورية، فيعتبر الجنرال ان وزير الداخلية الذي يحبه كجبران! لا يمارس في الداخلية مسؤولياته لان ادوات الحكم في الوزارة ليست بيده.
وعون الذي تمنى وطرح ذات يوم، انه يتفق مع النائب سعد الحريري وفق اتفاق الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، اعتبر ان اللقاء مع الرئيس المكلف يرتبط بما ستصرح به مجموعة «المجانين المسعورين»، ويسأله السيطرة على جميع اعضاء كتلته والا لماذا الغداء واللقاء، فالهدف الاسمى يبقى لدى الجنرال توزير باسيل واما الباقي فمادة للنقاش والمساومة، لذا طرح منذ البداية ان تترسخ في اذهان الاكثرية خصوصاً اذهان الفريق المسيحي فيها ان جبران ثابت فيما بقية المرشحين من حصة التغيير والاصلاح متحركون.
لكن تبقى لهمروجة عون الرسالة الابلغ، وجهها عن قصد وعن عمد الى الناشطين والصالحين في تياره، خصوصاً اولئك الذين تزداد طلباتهم، وينادون بعقد المؤتمرات وبالعمل المؤسساتي التأسيسي، ينشدون الديمقراطية واجراء الانتخابات في كافة المسؤوليات الحزبية، لكن الجنرال كان اسرع من الجميع، ابلغ من يعنيهم الامر بصوته الهادر والمهدد: جبران هو ابني الذي به سررت. وجبران الصامت تقدم الحضور في حديقة الرابية وبعض نواب واعلاميين، ادمعت عيناه فرحاً حين ارتدى العباءة، ينتظر درع التثبيت من قائد التيار تماماً كما ينتظر تيمور درع والده المتحول.
لم يصدق الناشطون في التيار ان قائدهم بقي خطيباً امام وسائل الاعلام يشرح مزايا وفوائد الصهر الوزير او الصهر الزعيم، فتذكر هؤلاء ليالي الاعتقالات والتعسف والملاحقات، ولسان حالهم يصرخ: لو كنت اعرف خاتمتي ما كنت سجنت.