شعب بين حافتين
"… تبدو لنا الحياة كأنها نظام أشغال شاقة، وما ننسى، ههنا، "الأذكياء" الذين "يعرفون" كيف يسلكون، أو يتبعون أرجح التيارات. لكنهم، في أغلب الواقع، لا يحيون حقاً، بل كثيراً ما تحيا فيهم تيارات سواهم".
خليل رامز سركيس، 1997
يميل الكتّاب غالباً الى لوم الزعماء والقيادات في المصائب والهزائم التي تحل بالشعوب والأمم. وهذا جهل بالنفس البشرية التي اختصرها القرآن بأنها أمّارة بالسوء. فالذي يخفق في بناء الأوطان والدول هي الشعوب الدائمة، لا الزعامات العابرة. والذي يتجمع في الساحات مصفّقاً ومهللاً لرجل اليوم، ولغيره غداً، هو الجماهير عبر التاريخ. والذي انقاد خلف ادولف هتلر خاضعاً لـ"القائد" هو الشعب الجرماني، الذي أعطى بيسمارك وغوته وبيتهوفن وهيدغر وأعظم الفلاسفة بعد اليونان. والشعب المصري الذي بنى الاهرامات لكي يؤمّن لخوفو وخفرع طريق العودة، هو الذي خرج الى شوارع القاهرة يطالب جمال عبد الناصر بالعودة عن الاستقالة، ثم خرج خمسة ملايين في جنازته، يسجّلون أضخم جنازة عفوية في التاريخ. ثم نسي الشعب المصري أين كان وذهب ينام وترك مجلس الشعب من دون نواب ناصريين. لم يبق من عبد الناصر سوى كلوفيس مقصود ومحسن ابراهيم.
في الشائع، هناك دول فاشلة، ولكن في الحقيقة هناك أوطان فاشلة، وهناك شعوب متناحرة. وما دمت قد ذكرت محسن إبرهيم وكلوفيس مقصود، فإنما للتذكير بمرحلة كان فيها أمثالهما أهل العروبة ورموزها في لبنان، كلاهما يصغي إليه جمال عبد الناصر بلهفة وإعجاب. ثم تطورت العروبة في لبنان، كما في كل مكان آخر، فأصبح الناطق باسمها ساعة انتهاء الاعتصام في قلب بيروت، سعادة الدكتور نبيل نقولا نائب المتن مرتين.
الشعوب تختار، وخصوصاً عندما تُعطى الحرية. ومن يعترض على قرارها غبي، كالذين اعترضوا على كاليغولا عندما كلّف حصانه شؤون وزارة الخارجية. لذلك علينا أن نقبل بالخيار الديموقراطي، سواء كان يدعم الديموقراطية أو يزيد ضعفها وعطوبها وتعثّر مناعتها. أما ان نحترم الخيار فأمر آخر.
أزمة التشكيل الحكومي الراهنة هي تكرار لأزمات كثيرة، بعناصر خارجية مختلفة. يجب ألا ننسى أن ياسر عرفات كان أكثر صراحة وعفوية، عندما أعلن من غزة، مرتين، أنه حكم لبنان 15 عاماً. المرة الثانية، كان هدفها إسماع من فاته ذلك في المرة الأولى. فقد كان كل شيء في لبنان مرتبطاً، طوال عقدين على الأقل، بأمن الثورة وخاصرة الثورة. ولبنان كان قدره أنه الخاصرة في كل العصور.
الأسباب أو الذرائع أو القضايا التي تشلّ الأحكام وتعطّل تشكيل الحكومات، كثيرة. أحياناً تكون في مصيرية اتفاق القاهرة، وأحياناً في مصيرية جبران باسيل. ولكن في كل الحالات ليس الرجل المكلّف من مجلس النواب، ولا حامل الأكثرية البرلمانية، هو الذي يشكل الحكومة. تشكلها الضغوط والمحسوبيات والأنانيات والمصالح الفاقعة. وبعد ان تتضافر كل هذه القوى في التعطيل، ثم في فرض نوعية التشكيل، ترتد على صاحب الحكومة لتحاسبه وتقاضيه وتدعو الى ذهابه. أو تدعو على بقائه. والعمر الطويل للرئيس المكلّف، لا نعرف متى يصبح مقيماً، وينهي حال التصريف التي تعلّق البلد من ساقيه بعدما كان معلّقاً من ساعديه.
أمضينا هذا العمر ونحن نتساءل: مَن نحن؟ هذا عنوان لفرض مدرسي في فصل "التربية المدنية" يتكرر مع المرء طوال عمره، ويظل من دون جواب. أو حتى من دون طرح جدي، وسوف تظل الإجابة عنه مستحيلة ، سواء اعتبرنا أننا طوائف أو قبائل أو شعوب أو حتى أعراق، فنحن نقيم، منذ الولادة، في قاعة مرايا. لا نرى سوى أنفسنا، ولكن أيضاً لا نرى سوى خيالات مكسّرة، تتحرك في مكان واحد في اتجاهات متعاكسة. وفي هذه التعاكسات تضيع الحقائق والأحجام، وتختفي الوجوه وراء الظهور، ويبدو الأشخاص أحياناً كأنهم يتكلمون من أقدامهم، على رأي المثل الإنكليزي.
بمجرد أن تتحرك المرآة تتحرك الخيالات على نحو مضحك. أو مخيف. لا يعود شيء في مكانه، ولا يبقى ظل ثابت لأحد، ولا يعود معروفاً من يمط شفتيه ابتساماً أو لوعة أو تكشيراً أو تنكيداً. لذلك بدل أن نسأل: مَن نحن؟ ونبقى بلا جواب، الأفضل، أو الأقرب، أن نسأل: "أين" نحن؟ ما هي حالنا؟ كيف يصنّفنا القانون الدولي في أعداد الأمم والدول؟
إذا وضح النص بطل الاجتهاد، لذلك ذهبت الى المراجع الأكاديمية(•) المعتمدة في أرفع جامعات العالم، أبحث عن تعريف، لنا، للبنان، للوطن الذي كان رشيد كرامي يسميه، لعمري، "هذا البلد"، أو للوطن الذي لا يريده وليد جنبلاط أن يكون أولاً، دون أن يشرح، على غير عادته في الاستطراد الممتنع، في أي مرتبة يجب أن يكون. طبعاً، ليس ثانياً، لأن هذا يعني اننا لا نزال في مطرحنا. وليس ثالثاً، لأن هذا يبقيه في المراتب الأولى. على لبنان أن يدبّر حاله، ما بين العروبة التي صارت في عهدة نبيل نقولا، والعروبة التي ينتفض لها وريث كمال جنبلاط. على هذا البلد أن يتدبّر أمره. وأن يفعل ذلك على عَجَل. اللعنة على الخمول.
هناك ثلاثة تصنيفات حديثة للدول: الفعّالة، والضعيفة، والفاشلة. ليس جميع الدول تعمل كدول. البعض لا يعمل أبداً. "لمجرد أن يكون لبلد علم ومقعد في الأمم المتحدة، هذا لا يعني أبداً أنه دولة". المحافل أو المؤسسات الدولية تقسم الدول ثلاث فئات:
أ – الفعالة. وهي تلك القادرة على جباية الضرائب فوق سائر أراضيها، وحيث القوانين مطاعة في صورة عامة. حيث الحكومات تتولى الأمن والعناية العامة. حيث الفساد قليل نسبياً. حيث ينتج الدخل القومي العام من جني 25 الى 50% من الضرائب. الدول النماذج هي: اليابان والولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
ب – الدول الضعيفة. يميّزها تداخل الجريمة بالسياسة. لا تستطيع أن تحدد أين تبدأ الجريمة وأين تنتهي السياسة. لا تملك الحكومة القوة على محاربة الخروج على القانون، حيث يكثر تهريب المخدرات والفساد والفقر والحركات المتمردة. حيث القضاء قابل للشراء، حيث الديموقراطية قول أكثر مما هي فعل، والانتخابات قابلة للتزوير. حيث لا يجبى من الضرائب إلا قليلها. حيث تختفي الموارد الطبيعية في الجيوب، كما في المكسيك ونيجيريا. وتشكّل آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية موطن معظم الدول شبه الفاشلة.
ج – الدول الفاشلة تماماً. هي التي ليس لديها، في شكل أساسي، حكومة وطنية، على رغم أن بعضها يدّعي ذلك. حيث يفعل لوردات الحرب وزعماء الميليشيات ومزارعو المخدرات ما يشاؤون. حيث لا قانون سوى المسدس. حيث الانفصال خطر داهم. حيث تتدهور مستويات العناية الصحية والاجتماعية. الصومال والعراق وأفغانستان قد تشكل نموذجاً. فقط التدخل الخارجي يحول دون اختفائها تماماً.
في أي فئة يقع لبنان؟ هل نحن، وفقاً للشروط المذكورة، دولة فعّالة، أم قائمة؟ طبعاً لا. هل نحن دولة ضعيفة؟ هل نحن دولة ضعيفة في الطريق لأن تصبح دولة فاشلة؟ املأ الفراغ بالجواب المناسب. ولكن، قبل ذلك، هل نحن بلد، أو وطن، أو أمة؟ الوطن (Pays, païs, paese) بالفرنسية، والإسبانية والإيطالية، كان يعني الريف (ländliche) بالالمانية. وقبل قرون كان الريف والوطن واحداً. أي الوطن المحلي حيث تتشابه العادات واللهجة والتقاليد، ثم توسّع المعنى ليشمل موطناً واسعاً متعدداً وذا سيادة. وقبل قرون كانت كلمة Nation تعني القبيلة: أمة إسرائيل أو أمة سيوكس (الهنود الحمر). وكلمة Nation باللغات الغربية تعني الولادة، أو المنشأ في حين سماها الإغريق Ethas، الذي منه حديثاً، الاتنية، وتعني العادات المشتركة.
تغيّر معنى الأمة الى ما هو عليه الآن في القرن السابع عشر، وأصحبت الأمة تشمل التاريخ واللغة والثقافة والأرض الواحدة والحكومة الواحدة. وقد أدى قيام الأمة أو الدولة الى تغيير في حال البشرية عندما انتقل الولاء من الكنيسة والطائفة والزعامات، الى الدولة. وأدى ذلك بدوره الى النزعة القومية أو الوطنية مع الثورة الفرنسية، ومن ثم الى زوال الأمبراطوريات، البريطانية والنمسوية – الهنغارية. وقامت الدول المستقلة حول العالم كما نعرفه اليوم، في افريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.
هل نحن دولة أم وطن بالمعنى الموصوف أعلاه؟ هل تشكّل اللغة المشتركة، والتاريخ المشترك، والعادات المشتركة، والمصالح المشتركة، والأرض المشتركة، دولة؟
هل نحن، بالمعنى الدولي، أمة Nation، أم إننا دون تلك المرحلة بكثير؟ هل تكفي اللغة لجمع تضارباتنا؟ هل يجمع بيننا وينهي حروبنا الخوف من العدو المشترك؟ هل ثقافتنا واحدة فوق قطعة من الأرض لا تزيد على عشرة آلاف كيلومتر مربع، زائد الفراطة الفولوكلورية التي حوّلت الحرص على الأرض مذمّة مضحكة؟
الرجاء الإجابة.