تحت وطأة السلاح وكابوس السياسة
هل من "عودة" للمهاجرين أم هجرة للمقيمين
حميد عواد
الإنسان الفاضل والمناقبي والواثق والنزيه والحكيم قلما يخطئ و إن إنزلق إلى الخطأ لا يتجاوز حدود الجنحة ليسقط في مهاوي خطيئة الجناية في حق مجتمعه. لذا إن أساء إمرؤ لنفسه ولمجتمعه وعمل على تصحيح خطئه وإصلاح الضرر يُحمد مسعاه، أما أن ينقلب على قيم نبيلة طالما آمن بها ويتنكر لمبادئ سامية إعتنقها وأجمعت على تكريس حقها الأمم المتحضرة والإنسانية جمعاء، فهذا إنحطاط يذكرنا بقول أحمد شوقي:
و إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هي ذهبت أخلاقهم ذهبوا
في ظلّ الفوضى والتناحر والهيمنة على الأرض والقرار نما في لبنان فطر سام تغذيه سياسة ملتوية ومرتهنة أسقطت الكثير من القيم. رغم "إبعاد" مصادر أساسية لسموم التفرقة تفرّعت عنها عروق بقيت تعلّ صحة الوطن وتحبط نهوضه. وشُكّلت أحلاف ممسوخة "صهَرها" وهج قوة السلاح لخلق شروخ تسلخ جلد الوطن عن لحمه وتحلل كل الوسائل لبلوغ الهدف. ووصلت "الماكيافيلية" حدّ ترويج إستغلال مراكز العبادة والمناسبات الدينية من قبل سياسيين لتسويق الكيد السياسي والزندقة الدينية المضخوخة في قوالب عظات.
ان عزّة النفس وإحترام الذات تنأيان بصاحبهما عن ممارسة أو مشاهدة طقوس الشعوذة والدجل. لقد سبق أن إستغلت هكذا أماكن لإبرام إتفاقات عشائرية يخطط لتكرار مثلها، ربما تيمناً بـ"عامية إنطلياس" لكن خارج روحيتها وظروفها. كأن أطرافها يعيشون حقبة جاهلية ويمارسون عادات قبائلها فيما الكنف الطبيعي للتوافق الجدي والمتين بين شرائح المجتمع في عصر التحضر والحداثة هو مؤسسات الدولة.
لكن ما الحيلة وبعض أشاوسة السياسة يتبجح بقطع "حبل الخلاص" مع دول طليعية، رائدة في النهوض والتطور والتعمق في آفاق العلم والثقافة، ليربط لسانه و"حاشيته" بأنظمة شمولية منقبضة على مواطنيها لإخراسهم وعزلهم عن العالم الخارجي ووأدهم في كهوف التخلّف وأنفاق العبودية.
تماشياً مع هذا النمط المهين عينه يتعامل محتكرو السلطة الشمولية في إيران وسوريا النازعة إلى التفشي في الجوار مع حلفائهم في لبنان بصرامة، فارضين عليهم الطاعة المطلقة والتماهي في خططهم.
لذا مؤسف ومعيب أن يندفع أحد السياسيين المنتصبين في وجه هذا التمدد الخطر، بسبب "توعّكه" و"إمتعاضه" من "إجحاف" طال "نصيبه" من مواقع السلطة و"أضعف" رصيده، إلى "قلب الطاولة" على حلفائه، مصعوقاً بذعر "قسر" و"جهوزية سلاح" للإرتداد والتصويب نحو الداخل، ويخطو بإتجاه الإرتماء في أحضان الذئب نكاية و"توقاً للأمان!" علّه يطمئن و يعزز موقعه "الجديد" وحصصه.
لقد كبتت سابقاً "رهبة" السلاح "المنبثق" من الحلف الإيراني – السوري نزعة الحرية والإستقلال لدى فريق سيادي عبر "إغواء" وتلقف "قطب جذب" في شراك شباك العنكبوت السوري وأفخاذ الأخطبوط الإيراني. أما المخاض الجديد فأكثر حدّة وإستهجاناً لغرابة أطواره. والمشهد يتكرر: "كلما علقت ضحية في الشرك بدأت "نشوة" الإحتضار بالإنفضاض من خلال فقدان التوازن والهلوسة وجلد الذات وطعن الأصدقاء ثم إطلاق "صيحات الندامة على إرتكاب خطيئة عظيمة" وتلاوة شعارات جوفاء بائدة مملاة على مطلقيها، مرفقة بتسابيح الحمد والشكر والمديح تكال لمرتكبي الشنائع والفظائع.
فهذه هي عادةً طقوس "التطهير" و نكران الذات المرسومة للتمهيد لزيارة "عرين الشبل".
وسط هذه التقلبات ينذهل ويمتعض كل لبناني أصيل ويزداد تشبّثاً بالحرية و السيادة والإستقلال بينما يثابر "المنذورون" لخدمة مصالح "عرّابيهم" الإقليميين والمكلّفون بإستجرار الصدامات، على إستنزاف الوطن عبر فرض هيمنتهم على بيئتهم ومحيطهم من خلال الإستنفار الدائم ونشر اجواء رعب وقلق متجددة تؤمّن لهم "حرارة كافية" لـ"ضرب الحديد حامياً" علّهم يلوون صلابة الصامدين والمتصدّين لهيمنتهم.
اللبنانيون بحاجة إلى إستقرار حُرموا منه عنوةً خلال جلجلة طويلة فيما نعِم به من شارك في إعدادها وحاول جدْل عذاباتهم إكليل مجد له .
حان للبنانيين إستعادة كامل عافيتهم للعب أدوار نهضوية أتقنوها فهم رواد نهضات ثقافية وعمرانية وعلاقات مميزة في كل أقطار الدول العربية وأنحاء العالم وفي مختلف الحقبات وليسوا بحاجة إلى وسيط أو وصي على علاقاتهم عربية كانت أم أبعد مدى".
يبدو أن "قايين" مسكون بهاجس المحكمة الدولية قلقاً من المضبطة الإتهامية التي ستصدر عنها. فيما يجري ترويج إشاعات و"تسريبات" القصد منها النيل من مصداقية هذه المحكمة ليصوّرونها وكأنها مكتبة عامة مفتوحة تقاريرها للشغوفين بالإطلاع على مذاكراتها القانونية.
والهدف هو إغفال واقع أنها موكولة لخيرة من القضاة المشهودي الكفاءات يتوخون كشف الحقيقة الدامغة وفي طليعتهم المدعي العام دانيال بلمار، ويحرصون على حماية الشهود وإبقاء مداولاتها و قراراتها بالغة السرية والدقة والإتقان، مستندين إلى القرائن غير متأثرين بأمنيات "المهتمين" بخلاصاتهم والراغبين بتعديلها غِبَّ طلبهم.
أما الإلحاح في إثارة قضية توطين الفلسطينيين يجب ألا تحجب مشكلة الإفراط في ترجيح مبرمج لثقل ديموغرافي معين لما له من أعباء تتعدى طاقة لبنان على الإستيعاب والرعاية.
فيما لا تكْتم الحكومات المتعاقبة في إسرائيل رغبتها في "إبعاد كأس" عودة اللاجئين الفلسطينيين إليها لا بل تفتش عن سبيل للتخلص من فلسطينيي "الداخل" وإنتزاع إعتراف بيهوديتها، ثبّت المشترع اللبناني في متن الدستور اللبناني رفضاً للتوطين وهذا موقف يحظى بإجماع اللبنانيين والفلسطينيين ولا يحتمل المزايدات.
أما الحل الشامل وفي صلبه بلورة الدولة الفلسطينية فتعمل عليها الإدارة الأميركية بالتعاون مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية وإسرائيل لإجتراح حلّ منصف. لكن التبني الذي يظهره المحور الإيراني ـ السوري وحلفاؤه في لبنان والتشدد الإسرائيلي ينبئان بصراع دائم، ميدانه لبنان ومدخله إسترداد مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا (التي وعدنا وزير الخارجية السوري بإعادتها إلى لبنان عندما تستردها سوريا من إسرائيل)، يديره عن بُعد أركان المحور فيما يعمل النظام السوري على إعادة إحياء المفاوضات غير المباشرة معها لإستعادة الجولان.
بين إلتهاب وخمود للصراع ينزف لبنان بشرياً ومادياً ونهوضياً. وفيما يحقق معظم اللبنانيين الذين هاجروا نجاحاً مميزاً حيث يقيمون نظراً لإجتهادهم الدؤوب ويمدّون أهلهم وأقاربهم بالدعم المادي والمعنوي للصمود في ديارهم داخل الوطن (آلاف من اللبنانيين الشرفاء يتضوّرون بإباء بعد شلل أعمالهم وكساد إنتاجهم لسنوات ونفاد مدّخراتهم و"مؤنهم" ودفع فواتيرهم على حساب طعامهم الشحيح، فمن إلتفت إليهم؟) نرى "محظيي الداخل" يغرفون من "النعم" المباحة لهم من المال العام والخاص ويستغلون النفوذ والخدمات العامة وأملاك الغير ليكدسوا الثروات المختلسة والموهوبة ويوظفوها كما يفعل سماسرة "غيلان المال" في شراء أملاك المصابين بالضيق ممارسين لعبة "المونوبولي" (الإحتكار) عل أرض الواقع. خلال ذلك يستشري الغلاء ويكوي الكثير من المواطنين ويفاقم المشاكل الإجتماعية من فقر وجوع و مرض وسرقة وإدمان.
وهكذا يصيب القلق والإحباط الكثير من المواطنين، فينأون عن مساقط رؤوسهم ويضطرون لبيع أراضيهم وهجر الوطن مفتشين عن بلد مستقر لا يكون جناهم فيه عرضة لمهب الأعاصير والقلاقل.
في هذا الجو المكفهر يمعن غلاة التعصّب والتقوقع في رذل الطائفية والمذهبية ويردّون العلّة إلى النصوص فيما هم ينشئون أجيالاً على ثقافة خاصة ويعودونها على الطاعة العمياء ويركزون أذهانهم على شد أواصر "عصبية قبلية" يغلّفونها بطفرة دعوات إلى الوئام والإلفة الوطنية لا تخرق "قشرة الشرنقة" لتتسرب فعلياً إلى أعماق الذات. فهل لبقية أبناء الوطن مكان في حساب هؤلاء؟ بالله عليكم، نقّوا النفوس قبل الإنكباب على النصوص!
مفتاح الخلاص يكمن في الإنخراط الصادق والتآلف والتآزر في مسيرة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سلطة القانون وتنشيط الإعلام الرسمي والخاص والمؤسسات التربوية لتثقيف الأجيال ثقافة مشبعة بالوفاء والولاء للوطن.
لا فضل للبناني على آخر ألا بمقدار رصيد علمه ومعرفته وخبرته وتفانيه في خدمة الوطن. فعسى أن تشكل الحكومة بهذه الروحية لتنطلق في معالجة مختلف أوجه التحديات الإجتماعية والإقتصادية والمعيشية، وتحديث وترشيق الإدارة وتنمية الموارد وإستغلال الطاقات والتنقيب عن المصادر الطبيعية الدفينة وحلّ الإشكالات السياسية. إضافة إلى توظيف القروض والهبات في تنشيط النهوض، لا بدّ من طلب مساعدة ملحّة من الدول الضليعة في إنتاج الطاقة الشمسية والمائية والهوائية لبناء شبكة إنتاج كهرباء من الطاقات الطبيعية الوافرة والنظيفة لئلا تُهدر هباءً.
حقّ للبنانيين أن يهنأوا بعيشهم أعزاء في حمى جيشهم الوطني وقوى الأمن وتحت رعاية حكومة زاخرة بالمواهب عالية الجدارة في الأداء والإنجاز. وحقّ للمغتربين "العودة" إلى الوطن ليشاركوا أهلهم بهجة العيش ونعم العطاء، فإفسحوا المجال لإحتضانهم بدل دفع المقيمين إلى الهجرة.