اوجه انقلاب عون على التأليف
المحامي جورج ابو صعب
ان ما تشهده الساحة الداخلية خلال الايام القليلة الاخيرة يمكن وصفه بانه انقلاب سياسي من طرف المعارضة على جهود الرئيس المكلف لتأليف الحكومة. وما عقدة العماد عون والوزير جبران باسيل الا وجه من اوجه هذا الانقلاب، اذ لو ارادت المعارضة فعلا تسهيل ولادة الحكومة لساهمت في اقناع العماد عون بحلحلة موقفه من توزير الوزير جبران باسيل. وقد يكون امتناع المعارضة وتحديدا حزب الله من الضغط على العماد عون جزءا من تعبير اقليمي عن فرملة سورية على خط الانفتاح على واشنطن بعد ان ايقنت دمشق بان طريق الانفتاح على الولايات المتحدة والغرب ليس بالسهولة التي تكفيها علاقات ديبلوماسية مع لبنان وعدم تدخل في الانتخابات النيابية في 7 حزيران، بل ان المطلوب من دمشق اكثر بكثير لا ينتهي الا بترسيم الحدود مع لبنان وبتثبيت لبنانية مزارع شبعا وحل ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية والتعاون الاكبر مع المحكمة الدولية .
فانطلاقا من هذه المعادلة اعلاه نسجل الملاحظات الآتية:
1- اذا كان الدستور اللبناني لم ينص على قاعدة عدم توزير الراسبين في الانتخابات فان الدستور اللبناني نفسه ايضا لم ينص على حق الاقلية بحقيبتين او ثلاث حقائب سيادية. كما ان الدستور نفسه لا ينص على حق الاقلية في حكومة ثلاثينية بعشرة وزراء. كما ان الدستور اللبناني لم ينص على فرض اسماء التشكيلة من طرف الفرقاء السياسيين على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف – لان المادة ( 64) من الدستور اعطت الرئيسين دون سواهما الحق في اصدار مرسوم تشكيل الحكومة بعد استشارات نيابية غير ملزمة (عكس استشارات تكليف رئيس الحكومة) كما ان الدستور لا ينص كما بات معروفا وواضحا على ثلث معطل للاقلية – لذلك فاما ان تعتمد الاقلية المعارضة الدستور بصورة كاملة حتى النهاية في كل الاحوال وباتجاه كافة القضايا واما ان لا تستمر في هذه الانتقائية المفضوحة في تطبيق الدستور. ولعل في هذه الظاهرة دليلا اوليا هاما على محاولة الاقلية والعماد عون للانقلاب رويدا رويدا على الدستور.
2- ان اخطر ما يحصل اليوم هو ان المعارضة والعماد عون في طليعتها تحاول ومنذ اليوم التالي للانتخابات ان تجوف بالتقسيط ما فشلت في تجويفه دفعة واحدة لنتائج هذه الانتخابات : فثمة محاولات واضحة من طرف المعارضة ولا سيما العماد عون لمحو اثار انتصار الاكثرية في الانتخابات النيابية في 7 حزيران بالتدرج بدأ من طرح الثلث المعطل ومن ثم النسبية في الحكومة وصولا الى الاصرار على توزير الراسبين مرورا بالكلام عن اكثرية شعبية من هنا واكثرية مسيحية من هناك. فبعد فشلهم في الطعن بهيبة الاكثرية وبترجيحها الحكومي الاكثري خاصة في ضوء مواقف النائب وليد جنبلاط الاخيرة التي زرعت لحين بعض الامال لدى المعارضة، نرى العماد عون يعود الى تشدده في شروطه ورافعا لسقفها من خلال الاصرار على توزير صهره والاستحصال على حقيبة سيادية.
فبذلك تحاول المعارضة والعماد عون من ضمنها الانقلاب ايضا ودائما ويوميا على نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة في وقت يجب على تلك المعارضة ان تفهم بانها لا تستطيع الاستمرار في استغلال حسن نوايا الاكثرية التي مدت يدها للاقلية غداة الانتخابات لتدعوها للمشاركة في حكومة وحدة وطنية في وقت كان من حق الاكثرية ان تذهب باتجاه تأليف حكومة اكثرية لو اردنا فعلا تطبيق مبادىء النظام الديمقراطي الذي يفترض وجود اكثرية تحكم واقلية تراقب وتحاسب لا أقلية مشاركة في الحكم كما درجت البدع اللبنانية في تشويه الحياة الدستورية ومبادىء النظام الديمقراطي. ومع ذلك كله فان الاكثرية تجاوزت هذا الحق ومدت يدها للاقلية لتلاقيها في منتصف الطريق فاذا بالاقلية اليوم تستغل انفتاح الاكثرية وسعة صبر وتفهم الرئيس المكلف لتفرض شروطها عليه وكأنها الظافرة بالانتخابات وبثقة الشعب في محاولة انقلاب مريعة على الارادة الشعبية وعلى حقيقة الخريطة السياسية في البلاد. فاستغلت المعارضة هذه اليد الممدودة لتحاول التصرف وكأن لا أكثرية او كأنه لم تحصل انتخابات نيابية ولا قيمة بالتالي لارادة الشعب ورأيه وهذا في حد ذاته فضيحة وانقلاب لا يمكن القبول بهما – تحت اي ظرف ولاي سبب.
3- ثمة تعمية مقصودة وملعوبة بين العماد عون وحلفائه وتحديدا "حزب الله" لقضم اكبر قدر من الحقائب لا بل اكبر عدد من الشروط والمكاسب السياسية قبل ان يدق نفير تأليف الحكومة: هذه التعمية تتجلى في الابهام والغموض المقصودين منهما في تحديد تموضع العماد عون: فتارة نجده حليفا وجزءا لا يتجزأ من الاقلية المعارضة وطورا نراه في مواقفه متميزا ومنفصلا عن حلفائه خاصة اليوم في ظل مطالباته وشروطه الحكومية:
فالعماد عون كجزء من المعارضة لا حق له بحقيبة سيادية خاصة الا تلك التي يعطيه اياها حليفه الرئيس بري – كما ان عدد وزرائه يجب احتسابهم من ضمن الوزراء العشرة للمعارضة وليس بمعزل عنهم – وبالتالي ثمة محاولة مكشوفة للنيل من الاكثرية في تشكيل الحكومة بحيث تتوزع وتتقاسم الادوار بين العماد عون وحلفائه لمحاولة الاستحصال على اكبر قدر من المكاسب الحكومية ورفع للسقف التفاوضي – وفي ذلك بحد ذاته محاولة لتمرير انقلاب الاقلية على اكثرية حكومية محققة.
لذلك فان شروط العماد عون التعجيزية ان لجهة توزير الراسبين او لجهة المطالبة بحقيبة سيادية تعتبر عرقلة واضحة لجهود تشكيل الحكومة فيما فرقاء المعارضة الحليفة له يصطفون خلفه ليوهموا الاكثرية بان لا يد لهم فيما يطالب به حليفهم وبالتالي انه عليها (الاكثرية ) مفاوضته مباشرة لمحاولة تسوية موضوعه باكبر نسبة استجابة لمطاليبه. وهذا ما لا يمكن القبول به لا مباشرة ولا بصورة غير مباشرة .
وهكذا فان العماد عون يرأس اليوم الحملة السياسية لاسقاط الرئيس المكلف ومن خلاله القضاء على انتصار الاكثرية النيابي في 7 حزيران وهو بذلك انما ينفذ اجندة اقليمية واضحة مبنية على محاولة اكساب سوريا وايران اقصى قدر ممكن من نقاط في الوضع الداخلي اللبناني لتمكينهما من العودة الى ممارسة الضغوط على واشنطن والغرب للتفاوض عليها وبالتالي فان كلمة السر التي يلتزمها عون اليوم هو في الحقيقة وبكل بساطة: الانقلاب على تأليف الحكومة ومحاولة اجهاض تكليف الرئيس سعد الحريري .