بين العلاقة بإيران و"مصيرها" وبين ما "يُحكى" عن قرار استراتيجي لا رجعة عنه بفك العزلة
سوريا: مُعطِّلة في لبنان أم "متعاونة" للتسهيل؟
إعتباراً من اليوم، ستكشّف مجموعة من الحقائق "الثمينة" بشأن ما يحيط بالوضع اللبناني في الإطار الإقليمي.
إعتباراً من اليوم على أساس أن القمة السورية ـ الإيرانية التي إنعقدت في طهران أمس تبدأ نتائجها بالظهور.
ومما لا ريب فيه أن "أهم" الحقائق التي يُفترض أن تبدأ بالظهور، هي حقيقة الموقف السوري نفسه: أين يقف النظام السوري الآن فعلياً؟ كيف وبأي معنى؟
القرار الإستراتيجي السوري.. والامتحان اللبناني
ليس خافياً أن النظام في سوريا اتخذ منذ فترة غير قصيرة قراراً إستراتيجياً بالعمل على فك عزلته عربياً ودولياً، فـ"إضطر" في سبيل ذلك الى تنفيذ سلسلة بنود من "دفتر شروط" عربي ـ دولي، كان الأبرز منها في لبنان وكانت تحت عنوان "الإمتناع عن التعطيل" في هذا البلد والمساهمة في تسهيل أموره. وبحسب معلومات ينقلها متصلون بالنظام السوري، فإن قرار فك العزلة و"الإنفتاح" جرى تجديده في الفترة القريبة الماضية تحت عنوان "ممنوع العودة الى سنوات ما بين 2004 و2008" عندما إختنق النظام في عزلة شديدة. وليس خافياً أيضاً أن النظام في دمشق لا يزال لم يجتز "كامل الإمتحان" الذي إذا أُعلن ناجحاً فيه إستعاد عضويته في "النظام العربي الرسمي" وأهليته ضمن المجتمع الدولي، وإذا لم ينجح فقد الإثنتين، العضوية والأهلية معاً. و"قاعة الإمتحان" ـ إذا جاز التعبير ـ في لبنان بدرجة كبرى، حيث عليه إثبات التسهيل بتسهيل قيام الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري.
لُعبة "الحبلَين"
يُفترض إذاً أن الرئيس السوري بشار الأسد ذهب الى طهران أمس ليضع إيران في أجواء المسار الذي خاض فيه منذ أكثر من عام: ما الشروط التي نفذها وما التعهدات التي إلتزم بها وأين أصبح في علاقاته العربية والدولية.
سيكون للقيادة الإيرانية رأي في ما يطرحه الأسد. بيد أن المسألة هنا لا تتعلق بنقاش الجانب الإيراني في قراءاته وحساباته، بل تتعلق بالجانب السوري تحديداً. إن إستطاع الأسد إقناع القيادة الإيرانية بـ"قراره الإستراتيجي" المنوه عنه آنفاً كان خيراً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: ماذا لو كان لإيران "رأي آخر"؟
هذا السؤال يفرض نفسه لأن "ما بعد" التكاشف السوري ـ الإيراني "يوم آخر" بالنسبة الى العلاقة السورية ـ الإيرانية والى العلاقة السورية ـ العربية والدولية على حد سواء.
ذلك ان النظام السوري لم يعد في وضع يمكّنه من "إمساك العصا من الوسط"، أو من ممارسة لعبته التقليدية "على الحبلَين"، وهو مطالب عربياً ودولياً بالإختيار بين أولوية إنتمائه الى "النظام العربي" والمجتمع الدولي "حماية" له أيضاً وأولوية علاقته التحالفية بإيران.
راغب وغير قادر؟
عند هذا الحد، ثمة رأيان "يتدخلان" في النقاش.
الأول ويقدّر أصحابه أن النظام السوري "غير قادر" ـ حتى لو كان راغباً ـ على الإبتعاد عن إيران فكيف بالفك عنها، وذلك على قاعدة أن إيران باتت ـ ومنذ سنوات ـ تمسك بمفاصل رئيسية جداً من وضع النظام. وهذا الرأي يتبناه ديبلوماسيون عرب وغربيون وباحثون من جنسيات عدة.. ويتبناه مطلعون على القراءة الإيرانية للوضع السوري.
..أم غير راغب؟
أما الرأي الثاني فيقدّر أصحابه أن النظام السوري "غير راغب" ـ حتى لو كان قادراً ـ في الإبتعاد عن إيران أو الإختلاف معها. وذلك من منطلق أن النظام في سوريا "يُفضّل" عدم تقييد نفسه "منذ الآن" بتغيير ما في علاقته بإيران، في إنتظار مآل الأزمة الإيرانية الذي لن يتضح قبل فترة طويلة من جهة، وفي انتظار المحصلة التي ستنتج عن "الصراع" بين الشروط الدولية والشروط الإيرانية المضادة من جهة أخرى. ولهذا الرأي متبنّون أيضاً، من ديبلوماسيين الى باحثين.
"الوقت الضاغط"
على هذه الخلفية، من الواضح أن النظام السوري أمام "وقت ضاغط". بين حاجته الى تكريس فك عزلته ومترتبات إندراجه مجدداً في ترتيبات عربية ودولية تتعلق بـ"النظام الإقليمي" من ناحية وبين "المنطق" القائم حتى الآن لعلاقته بإيران من ناحية ثانية، يبدو نظام الأسد مطالباً بـ"تدبّر" أموره، إذ لم يعُد من مجال لـ"الحبلَين" من حيث "المبدأ". فإذا إستطاع أن يُقنع القيادة الإيرانية بأن لها مصلحةً ـ ربما ـ في ما يسير فيه "كان به"، لكن تأخير الإستحقاقات "الواجبة" عليه عربياً ودولياً لم يعُد "متاحاً".
الجواب السوري: تعطيل أم تسهيل؟
إذاً، إن أهم الحقائق التي يُفترض أن "تبدأ" بالظهور إعتباراً من اليوم، هي حقيقة الموقف السوري.
سيكون على سوريا إعتباراً من اليوم أن توضح ما إذا كانت ملتزمةً بتعهداتها بعدم التعطيل وبالتسهيل في لبنان، ما إذا كانت تراجعت عن تعهداتها، أو ما إذا كانت مختلفةً مع إيران في لبنان.
سيكون على سوريا أن "تحسُم". لا يمكنها التعهد في مكان و"التواطؤ" في مكان آخر. لا يمكنها ـ ما لم تفصل نفسها عن التعطيل ـ القول إن المشكلة عند غيرها. هي مطالبةٌ بـ"إشهار" موقف واضح: إذا لم تكن موافقةً بالفعل على التعطيل عليها أن تؤكد ذلك و"تظهره" بوضوح وأن تبني على الشيء مقتضاه.
إعتباراً من اليوم، سيتكشّف ما إذا كان التعطيل إيرانياً أو سورياً ـ إيرانياً مشتركاً. سيتكشّف ما إذا كان الجنرال مرعياً من طهران أو دمشق أو من كليهما.. أو ما إذا كان الجنرال مجرّد لاعب سياسي فاشل لا يجيدُ سوى المغامرات الإنتحارية.
إعتباراً من اليوم، من حقّ اللبنانيين أن يعرفوا هل الكلام عن "تعاون سوري" مع الجهود السعودية جدّي وحقيقي وفعلي أم أنه "شائعة". ليس أقل من ذلك!