#adsense

العدالة تأتي ولو… متأخرة

حجم الخط

العدالة تأتي ولو… متأخرة

صباح الثامن من حزيران العام 1999، اهتز لبنان وارتّجت أركان العدل فيه، كانت المجزرة أكبر من أن يتحمّلها العقل اللبناني، ذاك الصباح اقتحم مسلحون مقنّعون قاعة قصر العدل في صيدا أثناء انعقاد محكمة الجنايات وأطلقوا النار، فاستُشهد أربعة قضاة على قوس المحكمة، ولم يكشف عن المجرمين حتى اليوم! وفي 23 كانون الأول 2002 هز لبنان حادث امني مشابه باقتحام مسلح قصر العدل في بيروت وإطلاقه النار من مسدس حربي على القاضي فادي النشار وهو يجلس على قوس المحكمة يلفظ الاحكام وينظر في ملفات القضايا التي يصدر فيها أحكاماً.. أين أصبح الجاني؟ هل هناك من يذكر اسمه حتى، وأنه دخل قصر العدل وقاعة محكمة من دون تفتيش يذكر، ومن يذكر أنه تجرّأ واعتلى قوس العدالة ووضع مسدسه في ظهر القاضي الذي لطمه بيمينه فأطلق عليه رصاصة اخترقت إحدى رئتيه وخرجت من صدره… "ولوه….. حبل الحقيقة والعدالة شو طويل"!! كل هذه السنوات مرّت إلى حدّ اعتدنا فيه أن تقتل قياداتنا الكبرى ورموزنا ورجالاتنا، والبلد "مطرحك يا واقف"، ما زال يعيش على موائد فتات السجال وشد الحبال إلى حد كاد اللبنانيون معه يكفرون بالجميع.. 9سنوات مرت، منذ هوى على قوس العدل رجال أربعة فتضرّج بدماء القضاة الشهداء: حسن عثمان، عماد شهاب، عاصم أبو ضاهر، وليد هرموش..

9 سنوات والفاعل هو المعلوم – المجهول، وبعيد عن عين ويد الأمن والقضاء والحساب والعقاب، 9 سنوات وعائلات القضاة الشهداء الأربعة وأولادهم وأحفادهم ما زالوا ينتظرون الحقيقة والعدالة، وخلال هذه التسع السود كمن وليَ عهدها، انضمّت إلى قافلة المنتظرين عائلات لبنانية كثيرة وكبيرة، أكبرها على الإطلاق الشعب اللبناني الذي مازال ينتظر القرار الاتهامي ومعرفة الحقيقة والمحاكمة والعدالة والقصاص الذي فيه حياة لأولي الألباب في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وكل شهداء ثورة الأرز سواء الذين واراهم الثرى وبكاهم لبنان، أم الذين مازالوا بيننا يوارون عن أعيننا جروحهم وحروقهم، أو الذين تعجز حتى ثيابهم عن مواراة ما سقط منهم بتراً ليبقى هول الحقد والإجرام ماثلاً أمام أعيننا..

بالأمس بعد 9 سنوات، أعلن مصدر أمني أنه تمّ اعتقال أحد المشتبه بتورطهم باغتيال القضاة الأربعة، وهو فلسطيني كان يحاول الدخول الى مخيم عين الحلوة، ومطلوب منذ مدة طويلة للاشتباه في مشاركته بإطلاق النار على القضاة وهم على قوس المحكمة..

وكشفت المعلومات أن الموقوف كان قد تسلّل إلى لبنان من سورية بطريقة غير شرعية قبل أن يحاول الدخول الى مخيم عين الحلوة..

9 سنوات، ومازال مخيم عين الحلوة "أدغالاً" عصية على الدولة والنظام و"ملفى" للفارين من وجه العدالة، بدءاً من فتح الإسلام و "عبد الرحمن عوض" وصولاً إلى عصبة الأنصار و"أبو محجن"!! 9 سنوات، والطرقات غير الشرعية ما زالت قائمة، والتسلل عبر الحدود من سورية مستمر، والفارون من وجه العدالة كثر، والمربعات الأمنية تزيد، ولكن.. في النهاية لا يصحّ إلا الصحيح، ولكل جريمة عقابها وحسابها، هذا "وعد الله" ووعده حق وصدق، فمهما طال الزمن سواءً تسعة أعوام أم تسعة عشر عاماً أكثر أو أقل، فهو سبحانه "الحكم العدل"، حتى لا ييأسنَّ أحد اللبنانيين من وعد الله، من القلقين والخائفين والمتوجسين والمرتابين من لحظة الحقيقة والعدالة والمحكمة الدولية التي لا بدّ وأن تأتي بالعدالة مهما تأخرت..

لا حقيقة من دون عدالة، فهذا مناقض لتشريع الله، ومناقض لفروض الله، ومَن يسعى إلى رفع شعار جديد فوق رؤوس اللبنانيين متحدياً حقّ الشهداء وعائلاتهم والشعب اللبناني، يتصرف من حيث لا يدري أو يدري، على قاعدة تكريس معادلة جديدة: القتل = أمر واقع، الحقيقة = مشروع فتنة، المحكمة والعدالة = حرباً أهلية أو مذهبيّة.. هذه المعادلة مخيفة بل مفزعة وجائرة، فهي تكرّس حقّ القاتل في القاتل، وتكرّس تنازل المقتول عن حقّه حماية للقاتل تحت عنوان حماية السلم الأهلي والخوف من فتنة، فإذا بلغنا زمناً يكون فيه إحقاق الحق فتنة، فإحقاق الباطل والقبول به ماذا نسمّيه؟ هو أكثر وأكبر وأبعد من الفتنة بكثير..

قد تتأخّر العدالة حتى تأتي، وقد يتأخر الحق حتى يسطع، فعندما حطّم رسول الله )ص) الاصنام في فناء الكعبة مردداً: "قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً" كان قد مرّ 23 عاماً على دعوته وهجرته حتى أظهر الله دينه الحقّ على كفّار قريش، فلا يخافن أحد من المعادلات الشاذّة التي يريدون فرضها على اللبنانيين بتخويفهم من الصفقات ولعب الأمم، لحظة مجيء الحق هي اللحظة نفسها التي سيكون الباطل قد أزهق فيها، فهما متلازمان متواليان "جاء.. وزهق" وسيكون الباطل لحظتها أعجز من مواجهة الحق وتخويفه، لأنه سيكون مشغولاً بنفسه وبتلك اللحظة المدويّة التي يزهق فيها روحه، ليتهاوى متحطماً كتلك الأصنام التي عُبدت طويلاً في الأرض من دون الله.. وإن كان للباطل جولة، فللحقّ ألف صولة وجولة.. لا يستطيع اللبنانيون أن يؤمنوا بغير هذا، فالإيمان بالحق إيمان بالله، ومَن يطالبهم بسوى ذلك يكون كمَن يطلب إليهم أن يكفروا بالله ويؤمنوا بأصنامه الباطلة!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل