عقبات متشابكة محلياً وإقليمياً أمام تشكيل الحكومة
ماذا يريد عون و"حزب الله" من الرئيس المكلف؟
لا شيء في الأفق يوحي بحلحلة قريبة للتعقيدات وتذليل العقبات من أمام الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري، فيما لا يزال صدى موقف رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون يتردد: "لعيون صهر الجنرال لن تكون حكومة".
والواقع أن العراقيل التي تواجه الرئيس المكلف غير مفاجئة، فقد سبق لفريق 8 آذار، وخصوصاً "حزب الله" أن ردد تكراراً قبل الانتخابات أنه أياً تكن نتائجها فإنه متمسك بتشكيل حكومة تتمثل فيها الأكثرية والأقلية، على اعتبار أن حكومة كهذه من شأنها أن توفر ظروف مواجهة أفضل تحسباً للمخاطر التي يمر بها لبنان والمنطقة في هذه المرحلة. بيد أن ما لم يكن متوقعاً هو أن تتحول عملية التأليف الى "بازار" تفرض فيه الأقلية على الأكثرية وعلى رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، شروطها وإملاءاتها ومطالبها.. وإلا فأزمة حكم مستمرة. مع العلم أن الدستور (المادة 64) أناط بالرئيس المكلف تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، بعيداً عن الاشتراطات، ولم ينط ذلك بغيرهما.
حتى الآن ينحصر العنوان الأبرز للعرقلة، في شقها الداخلي، بإصرار العماد عون على تحقيق مطالبه بسقفها العالي، أي الحصول على حقيبة سيادية هي وزارة الداخلية بالتزامن مع إعادة توزير صهره جبران باسيل، وفي وزارة الاتصالات تحديداً، ودخول "حزب الله" على الخط داعماً حليفه في هذه المطالب ومنتقداً قوى 14 آذار، بحجة عدم وجود نصّ دستوري يحول دون توزير الراسبين في الانتخابات، والقول بأحقية القوى والأطراف السياسية من تسمية من تريد لدخول الحكومة.
توزير الراسبين: مبدأ لا موقف
في المقابل، وإذ يبدو الموقف الرسمي غير متحمس لهذا الأمر، تتمسك الأكثرية بموقفها الرافض لمطالب عون من زاويتين: رفض اضعاف موقع الرئاسة من خلال أخذ وزارة الداخلية وهي من حصة الرئيس- لما يحمله هذا الأمر من تشكيك بحيادية الرئيس من جهة، ومن استهداف مباشر له في أول حكومة فعلية في عهده بعد الانتخابات النيابية من جهة ثانية، ومن زاوية أن رفض توزير باسيل لا يتعلق به شخصياً بل بمبدأ عدم جواز توزير الراسبين في الانتخابات من باب ان المواطنين لم يعطوا باسيل ثقتهم كي يتم الالتفاف على ذلك بتعيينه وزيراً، في الوقت الذي يستطيع حزب باسيل ان يقدم بدائل أخرى للدخول الى الحكومة. ناهيك عن أن توزيره سيفتح الباب على طلب توزير آخرين بما يمكن أن يثير أزمة فعلية بين الفائزين في الانتخابات وعلى مستوى الثقة بالحكومة من الناس.
ومع أن مطالبة عون بتوزير صهره تبدو عند كثيرين موضع تفهم كبير، فإن أوساطاً أكثرية تؤكد أن المسألة تتخطى موضوع موضوع توزير راسبين في الانتخابات أو عدم توزيرهم، إنما بـ "تعسف" الأقلية في التمسك بموضوع لا يعود القرار فيه لحزب أو كتلة، إنما للرئيس المكلف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية بحسب النص الدستوري، الى كونها تعكس استخفافاً بالقيم الديموقراطية وموجباتها والأعراف السياسية السائدة.
وتضيف هذه الأوساط، أن العرف جرى على أن تعرض القوى السياسية والكتل النيابية أسماء من ترغب بتوزيرهم على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف خلال استشارات التأليف، وهما يختاران الشخص المناسب للحقيبة المناسبة، لأن رئيس الحكومة يسعى لتشكيل فريق عمل متكامل يحقق عناصر الانسجام والتوافق والانتاجية، وإلا لكان الدستور نص على أن الأحزاب والكتل هي التي تشكل الحكومة ويبقى للرئيس المكلف التوقيع على اتفاقهم هذا!.
"حزب الله": الحسابات المتناقضة
وبعيداً عن مسألة توزير الصهر ذي الكفاءات الاستثنائية، هناك من يعتبر ان العماد عون يسعى من خلال مقاربته للموضوع الى حشر كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف لكي يظهر في موقع من يسجل النقاط عليهما معا اذا رسا الاتفاق النهائي على توزير باسيل، على رغم ان ايا منهما لم يدل بموقف علني من هذا الموضوع. لكن ذلك لا يلغي أسئلة كثيرة تطرح حول أهداف العرقلة المتعمدة والمستمرة لتشكيل الحكومة وفرض الشروط والمطالب التعجيزية، وأيضاً إن تضامن "حزب الله" مع العماد عون، يثير علامات استفهام عديدة، فهل في نيّة الأقلية حشر الأمور بين حدّي توزير باسيل أو الضغط على الرئيس المكلف؟ وأين يقف "حزب الله" من هذه المعادلة، هل يتعلق موقفه بالتحالف الداخلي بينهما، أم أنه سيضغط على حليفه لتغيير موقفه إذا كان يريد إنجاز تشكيل الحكومة بسرعة للتفرغ لمتابعة شؤون البلاد أم سيمضي بالأمور الى حين الوصول الى أزمة حكم مستمرة؟
محطات اقليمية ودولية
في المقابل، ترى مصادر سياسية ان الوضع اللبناني، بما فيه مسألة انجاز تأليف الحكومة، محكوم بأكثر من محطة اقليمية ودولية ينتظر الجميع جلاءها لمعرفة توجهات المرحلة المقبلة، وتورد في هذا الإطار، مصير المفاوضات الاميركية ـ السورية حول الملف العراقي، وأجوبة دمشق على أسئلة تلقتها من الادارة الأميركية في هذا الموضوع، إعادة الحرارة الى الاتصالات السعودية السورية بعدما شابها فتور نسبي في الفترة الأخيرة، نتائج زيارة الرئيس السوري بشار الاسد الى ايران أمس، وما سينتج عنها لناحية تجاوب طهران مع الشروط والمطالب الاميركية المتعلقة بالوضع العراقي والملف النووي، عشية انتهاء المهلة التي حددتها الادارة الأميركية لطهران للتجاوب مع المطالب الدولية المعلقة بالملف النووي.
هذه المصادر ترى أن هذه المعطيات الاقليمية والدولية تلقي بثقلها على الوضع اللبناني والمتصل في شق منه بتشكيل الحكومة، بما يفرض قراءة دقيقة لخلفيات المواقف والشروط التي تعيق عملية التأليف.
المصارحة بديل الاعتذار؟
لكن على الرغم من كل العقبات المفتعلة راهناً أمام تأليف الحكومة العتيدة، تقول أوساط أكثرية متابعة، فإن ثمة اصراراً من مراجع كبرى معنية على ضرورة الاسراع في انجاز تأليف حكومة تكون قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، وأي تحديات يمكن ان تنشأ في المدى القريب. وتضيف انه إذا كان في نيّة بعض قوى 8 آذار إحراج الرئيس المكلف لإخراجه، فهو مخطئ جداً، وإذ تحيل الى الوعد الذي أطلقه الرئيس الحريري في خطاب التكليف عندما وعد اللبنانيين من القصر الجمهوري بأنه سيصارحهم عند الضرورة، تلفت الى أن من مدّ يده للجميع ودعا الى مشاركة الجميع في حكومة وحدة وطنية، لا يقابل بما قوبل به حتى الآن، وهو سيتحمل أمام الرأي العام الداخلي والخارجي مسؤولية عمله.