#adsense

مصادر أمنية: لا صحة على الإطلاق لكلام وهّاب عن قيام “القوات اللبنانية” بنشاط أمني

حجم الخط

مصادر أمنية: لا صحة على الإطلاق لكلام وهّاب عن قيام "القوات" بنشاط أمني
قيومجيان: الاتهامات أهدافها سياسية وجزء من المخطط السوري لإعادة السيطرة على لبنان

إذا كانت المعادلات والظروف والمعطيات الإقليمية تنعكس بصورة واضحة على الداخل اللبناني، فإن للواقع اللبناني حيثيات أقل ما يقال فيها إنها تعرقل أو تعطل مخططات إقليمية في أحيان كثيرة. وفي هذا الإطار يبدو واقع "القوات اللبنانية" داخلياً في موقع النقيض عما كانت عليه عام 1994، ما يفشل حتما أي محاولات متجددة لعزلها.

في مطلع التسعينات كان من الصعوبة بمكان أن يصدق اللبنانيون أن "القوات اللبنانية" التي عرفت خلال الحرب اللبنانية بامتلاكها التنظيم العسكري والأمني الأكبر والأكثر حداثة وتنظيماً وتدريباً في لبنان، أنها انتقلت بسحر ساحر الى العمل كحزب سياسي وتخلت عن جهازيها العسكري والأمني بقرار طوعي اتخذه قائدها الدكتور سمير جعجع يوم قرر تسليم السلاح والسير في اتفاق الطائف بعدما لاحت له تباشير إمكان قيام الدولة.

نسج الروايات وفبركة الملفات وإلصاق الاتهامات بـ"القوات" كان سهلاً جداً، لأنه وكما يقول المثل اللبناني "جسمها لبّيس"، بمعنى أنه كان منطقيا أن يصدّق الرأي العام اللبناني رواية منسوجة عن أن "القوات" لا تزال تحتفظ بمخازن أسلحة أو أنها لا تزال تبقي على جهازها الأمني أو ما شابه. فالتخلي عن السلاح طوعا وعن اقتناع تام لم يكن أمراً معتاداً في لبنان. ولعل الدليل الأبرز هو ما يجري حالياً مع "حزب الله" الذي يعتبر سلاحه "مقدسا" ويرفض بشكل قاطع التخلي عنه ما يسبب إرباكات لبنانية داخلية لا تنتهي.

هكذا، فإن الإصرار على إلباس "القوات اللبنانية" الصورة العسكرية والمقاتلة كان "سهلاً" و"طبيعياً" في مطلع التسعينات، لكنه لم يعد ينطلي على أغلبية اللبنانيين في العام 2009. فهذا الحزب الذي تعرّض للحلّ والحظر، والذي تمّ التنكيل به واضطهاد الآلاف من مناصريه الذين تعرضوا لكل أنواع التحقيقات والاستجوابات والاعتقالات في أسوأ الزنازين في العالم (في سجن وزارة الدفاع) إضافة الى سقوط عدد منهم شهداء بسبب ممارسات النظام الأمني السابق، كل ذلك على مدى أكثر من 11 عاما متواصلة، جعل من المستحيل على أي كان أن يصدّق اتهامات كتلك التي تمّ الترويج لها في الأيام والأسابيع الأخيرة.

قيومجيان: الادعاءات باطلة وخلفياتها معروفة

القيادي في "القوات اللبنانية" الدكتور ريشار قيومجيان يشك في "أن يصدق الرأي العام هذه الاتهامات والادعاءات الباطلة، وخصوصاً بعد 15 عاماً من الاضطهاد تخللها 11 عاماً من الاعتقال بحق رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع، وقد ظهرت الحقائق والخلفيات التي سبّبت اضطهاد "القوات" أمام الجميع، وهي أن "القوات" كانت تشكل قوة الممانعة الوحيدة في وجه الوصاية السورية على لبنان، التي أرادت استغلال واقع الاحتلال العسكري الذي كان قائما للهيمنة على القرار السياسي اللبناني. اللبنانيون باتوا يدركون هذه الحقيقة وهم مقتنعون ببراءة "القوات" من كل التهم والملفات التي تمت فبركتها لحل الحزب واعتقال رئيسه. وبالتالي فإن كل محاولات العودة مجددا الى هذه الاتهامات والعمل لتسويقها بهدف استخدامها لتصفية الحسابات السياسية مع "القوات" لا تعدو كونها أهدافا ومخططات سورية، لأن "القوات" لا تزال تشكل حتى اليوم عصب الممانعة في وجه كل المحاولات السورية للعودة مجددا الى الساحة اللبنانية سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة لفرض وصايتها على القرار السياسي اللبناني، وخصوصا أن الرغبة السورية واضحة في العودة مجددا للإمساك بمفاصل اللعبة السياسية اللبنانية، لكن "القوات" ستكون في المقدمة، كما كانت دائماً، لمواجهة الأطماع والمساعي السورية".

مصادر أمنية: الاتهامات سياسية ولا معلومات لدينا

وإذا كانت الصورة السياسية واضحة، فإن ما قد يطرح أكثر من علامة استفهام هو حقيقة نسب الاتهامات التي أطلقها الوزير السابق وئام وهّاب الى مصادر أمنية لبنانية. وفي هذا الإطار أكدت مصادر أمنية مطلعة لـ"النهار" أن "لا صحة على الإطلاق لكلام وهّاب، أو على الأقل لا صحة على الإطلاق لأن يكون لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية أي معلومات عن قيام حزب "القوات اللبنانية" بإنشاء خلايا أمنية أو قيامه بأي عمل ذي طابع أمني". وتشير هذه المصادر الى أن "حزب "القوات" "يتعاون دائماً تعاونا كاملا مع الأجهزة الأمنية في كل ما يطلب منه، ولا يوجد أي مؤشر الى أي عمل مخفي للقوات في ظل واقع أمني مستتب في كل المناطق التي ينتشر فيها محازبو "القوات" والتي تسيطر عليها الأجهزة العسكرية والأمنية اللبنانية بشكل كامل، وحيث يستحيل على أي طرف القيام بأي نشاط ذي طابع أمني".

ولدى سؤال هذه المراجع الأمنية المطلعة عن مصادر معلومات وهّاب تجيب: "لا تعليق، فلا صحة لنسب معلوماته الى الأجهزة الأمنية. أما في الجوانب السياسية فلا تعليق لنا حول الاتهامات السياسية المتبادلة بين السياسيين".

يتضح إذاً أن خلفية كلام وهّاب سياسية بحتة، ما قد يعرّضه قانوناً لمساءلة قضائية سواء لجهة الافتراءات في حق "القوات اللبنانية" أو أيضاً لجهة نسب معلوماته الى مصادر أمنية. وقد تقدم رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات" الدكتور سمير جعجع بشكوى قضائية جنائية بحق وهّاب، ما سيجعل هذه الاتهامات تسلك مسلكاً قضائيا يضع النقاط على الحروف. ولكن كل ما تقدم أدّى الى خلق بلبلة كبيرة لدى الرأي العام اللبناني، إضافة الى تخوّفات مشروعة، وخصوصا لدى القواتيين من أن يكون ثمة مشروع جدي لتكرار سيناريو الـ1994، مع ما يتضمن ذلك من ملاحقات وتعديات واضطهاد لا يرغبون عملياً في تكراره.

قيومجيان ينفي الأمر قائلاً: "هذا الخوف ليس موجودا لدى القواتيين. أي شيء يمكن أن يحصل في المستقبل، لا سمح الله، لا يمكن أن يقارن بما حصل طوال 11 عاما من الاضطهاد غير المسبوق. لذلك فإن القواتيين لن يترددوا في مقاومة أي محاولة لعودة الوصاية مجدداً. فنحن ناضلنا لإسقاط النظام الأمني السوري – اللبناني وسنناضل مجددا لمنع قيامه ثانية ولعدم السماح بعودة عقارب الساعة الى الوراء مهما كان الثمن. ولقد دفعت "القوات اللبنانية" أثماناً باهظة لتعود الحريات العامة للجميع تحت سقف القانون، ولن نقبل اليوم بعودة الأمور الى ما كانت عليه أيام الوصاية. وبطبيعة الحال فإن القواتيين الذين لم يخافوا ويستسلموا أيام الترغيب والترهيب لن يترددوا اليوم في النضال مجدداً للحفاظ على المكتسبات التي حققوها مع شركائهم في "ثورة الأرز"".

عوامل تبدلت

ويشرح قيومجيان أن عوامل عدة تبدّلت، "فلدى المسيحيين أثبتت الانتخابات النيابية الأخيرة تأييد شريحة كبيرة من المسيحيين لمبادئ "القوات اللبنانية" وثوابتها وطروحاتها السياسية، وهذا ما ظهر في نسبة الاقتراع والتأييد التي أظهرها المسيحيون للمرشحين القواتيين وحلفائهم في "14 آذار" في كل الدوائر، وحتى حيث لم يحالفهم الحظ. أما العامل الثاني فهو الشراكة والتحالفات الوطنية التي نسجتها "القوات اللبنانية" مع شركائها من غير المسيحيين، وفي طليعتهم "تيار المستقبل".

لذلك يرفض قيومجيان كل منطق التبرير "فنحن لا نحتاج الى صكوك براءة من أحد لأننا لسنا أبدا في موقع المتهَم، فمنذ العام 1991 تحوّلنا الى العمل السياسي، ولا يمكن أن نعود الى العمل العسكري بفعل إيماننا بقيام الدولة اللبنانية والمؤسسات الشرعية أولاً، لأننا لم نحمل السلاح إلا حين انهارت مؤسسات الدولة، وثانيا لأن الاحتلالات العسكرية ولت الى غير رجعة إن شاء الله، وسنكمل نضالنا كما فعلنا منذ العام 1991 بالطريقة السياسية ومن خلال مشاركتنا في المجالات المختلفة وفي كل الانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية والنقابية والطالبية، حيث نؤكد في كل هذه الانتخابات الحضور القواتي الفاعل. أما ما يصدر من هنا وهناك فما هو إلا محاولات تضليلية ليست في حقيقة الأمر أكثر من زوبعة في فنجان".

جولة ميدانية وآراء مواطنين

وفي جولة لنا في عدد من المناطق يتبيّن فعليا أن الاتهامات التي سيقت بحق "القوات" لم تلق أي تجاوب أو قبول من قبل الرأي العام المسيحي، وحتى المختلف سياسيا معها.

• جان حداد (سائق سيارة أجرة) قال: "لم يعد أحد يصدق هذه السخافات وخصوصاً عندما تصدر عن أشخاص مثل وهّاب. وإذا كانت لديه معلومات حقيقية لماذا لا يكشف عنها: أين تدرّب "القوات"؟ وهل من مناطق لها لا يدخلها الجيش؟ أظن أن "القوات" تعلّمت من الماضي ولكن يبدو أن البعض باتوا يخافون منها بسبب شعبيتها التي تنمو وتزداد، وأنا ألاحظ ذلك من الركاب الذين أقلهم حيث أن قسماً كبيراً منهم يؤيّد طروحات جعجع".

• طوني شمعون (أستاذ مدرسة): "أنا أؤيد "القوات اللبنانية" وأعرف تماما أننا نمارس العمل السياسي بجوانبه كلها. قد تكون سوريا وحلفاؤها في لبنان منزعجين من مواقفنا السياسية، وقد يحلمون بتكرار سيناريو الـ1994، لكن إذا صح ذلك فسيعني أنهم لا يقرأون المعطيات، لأن الظروف تغيّرت والتاريخ لا يكرر نفسه مرتين".

• ماري خوري (ربة منزل وخياطة): "أنا لا أتعاطى في السياسة والأحزاب. تظاهرت مرة وحيدة في حياتي في 14 آذار 2005 وحزنت كثيراً على استشهاد النائب الشاب جبران تويني. ولا أعتقد أن أحداً من أحزاب 14 آذار يملك السلاح الموجود عند الآخرين ورأيناهم في الشوارع. وقبل أن يتهموا "القوات" بامتلاك السلاح فليخبرونا عن سلاح "حزب الله" و"أمل" والقوميين الذين أشعلوا الأرض في 7 أيار. خلينا ساكتين من دون سياسة أفضل".

• إيلي عواد (يعمل في متجر): "أنا من أنصار الجنرال ميشال عون وأؤيده بشكل كامل، لكني أرفض اتهام "القوات" لأننا نعرف أن هذه الاتهامات سياسية. من الأفضل أن نواجه أخصامنا في السياسة. ولأننا ذقنا طعم الملاحقات لا نقبل بالظلم أن يطول غيرنا، وخصوصاً "القوات" لأنهم ظلموا كثيراً في السابق. لا أوافق على طروحات جعجع لكنني لست مقتنعاً بالاتهامات التي يطلقها خصومه ولا أعتقد أنها جديّة في الأساس".

في خضم الهجمة السياسية على "القوات اللبنانية" وحملة الاتهامات التي أطلقت، يبدو القواتيون منشغلين بأمر آخر: إنه بدء موسم التحضير للقداس السنوي على نيّة شهداء المقاومة اللبنانية الذي تقرر موعده في 27 أيلول المقبل في جونية، حيث من المنتظر أن تؤكد الجماهير المشاركة، مرة جديدة، عمق ارتباطها بـ"القوات اللبنانية" مهما تبدّلت الظروف والمعطيات السياسية.

طوني أبي نجم

المصدر:
النهار

خبر عاجل