#adsense

هل يوجّه سليمان رسالة إلى مجلس النواب تضع الجميع أمام مسؤولياتهم؟

حجم الخط

هل يوجّه سليمان رسالة إلى مجلس النواب تضع الجميع أمام مسؤولياتهم؟
رؤساء سابقون واجهوا أزمات وخرجوا بحكومات مصغّرة

ليست المرة الاولى التي يواجه فيها رئيس الجمهورية مشكلة تشكيل حكومة، فقد كانت الهمَّ والشغل الشاغل لمعظم العهود. لذا، كان سيد العهد يحاول اطالة ولاية الحكومة اطول وقت ممكن كي يتجنب الدخول في تعقيدات تشكيل حكومة جديدة.

ويقول الوزير السابق جورج سكاف في مقدمة له عن "حكومات لبنان" إن الجمهورية الاولى في لبنان لم تعرف الاستقرار السياسي ولا الامني احيانا بسبب تداخل الصلاحيات وعدم استقرار الحكم الذي يتولى رئيس جمهورية سلطته التنفيذية وهو غير مسؤول دستوريا لا امام المجلس ولا امام اي سلطة اخرى، بينما يتحمل رئيس الحكومة المسؤولية، الا ان الممارسة قضت، وكذلك العرف، بان يصبح رئيس الحكومة شريكا فعليا في السلطة التنفيذية، يؤلف الوزارة بالتوافق مع رئيس الجمهورية ويوقع معه كل المراسيم غير التي تقضي بتسمية رئيس الحكومة او قبول استقالته. ومنذ الاستقلال تعاقب على تأليف الحكومات عدد من رؤساء الوزراء بينهم من لم يصل بحكومته الى مجلس النواب او جاء بها لمرحلة انتقالية محدودة وكانت وتيرة تأليف الوزارات تجري في تلك الايام بصورة متسارعة، وهناك حكومات اقطاب وحكومة موظفين وحكومة انقاذ واصلاح وحكومة شباب وحكومة عسكريين وحكومة وحدة وطنية وحكومة كل لبنان، عدا الحكومات الانتقالية للاشراف على الانتخابات او لملء الفراغ الدستوري. وضمان استمرار السلطة وتداولها في شكل او آخر زاد في التساؤل عن اي نظام سياسي يحكم لبنان، فكان يميل حينا الى الحكم الرئاسي وحينا الى المجلسي او الى حكم امني وكأنه دائما حكم استثنائي يتكيف مع الاوضاع الراهنة. ومجلس الوزراء الذي نيطت به مجتمعاً السلطة التنفيذية بعد التعديلات الدستورية (اتفاق الطائف) بقي من غير نظام داخلي وجهاز اداري متكامل، واكتفي بإعطائه مقرا خاصا لعقد الاجتماعات، بينما يفترض ان يكون مؤسسة قائمة في ذاتها. ومنذ بداية الحياة النيابية لم تجر الانتخابات وفقا لقانون اقتراع واحد ثابت وعادل، اذ عند كل استحقاق انتخابي تسرع الدولة الى وضع قانون للانتخابات يعيد انتاج السلطة القائمة ذاتها، وكما يُرغب فيها، فجاءت المجالس النيابية مفصلة على قياسات مختلفة وفقا للاوضاع ولمشيئة الحكام.

وقد تعرضت الجمهورية الاولى لكل انواع امراض النمو وعوارض عدم الاندماج، فطغت السياسات الشخصية والتجاذبات الخارجية على مسيرة بناء الدولة وتغلبت المصالح الشخصية والنزعة العشائرية والقبلية والمناطقية والطائفية على المصلحة العامة، فصارت الدولة مزارع مستباحة اكثر منها مؤسسات دستورية وطنية. ولم تأت الجمهورية الثانية بعد اتفاق الطائف بأفضل من الاولى في ارساء دولة القانون والمؤسسات ولا في تطبيق هذا الاتفاق تطبيقا دقيقا كاملا. فما من مرة الا وأدى الاصلاح السياسي الى النتيجة ذاتها ويزيد الاصلاح الاداري في العرقلة الادارية ويضيف فائضا من الموظفين الى فائض سابق، ويوضع بالتصرف عدد من كبار الموظفين بينما تزيد المراكز الشاغرة شغورا وتحصن خصوصيات ادارات الخدمات لحساب الانصار والمحاسيب وتقتصر عملية الاصلاح على ملاحقة الذين لا حول لهم ولا طول، الامر الذي يدعو الى تطوير الحياة السياسية نحو العمل المؤسساتي، وتصحيح العمل في السلطتين الاجرائية والتشريعية وتفعيله من اجل اعطاء صورة ادق عن الحياة الديموقراطية في لبنان لا تستهدف الوصول الى نظام للحكم ثابت وموحد ونهائي فحسب، بل اعطاء اي نظام صفة لبنانية خاصة.

وبالعودة الى تشكيل الحكومات فان الرئيس كميل شمعون واجه في مستهل عهده مشكلة تشكيل حكومة من مجلس النواب الذي كان منقسما بين اكثرية موالية لعهد الشيخ بشارة الخوري واقلية معارضة له، فوجد انه يتعذر عليه تشكيل حكومة متجانسة من هذا الخليط المنقسم سياسيا على نفسه، فقرر خلافا لرأي الاقلية المعارضة يومذاك، والتي كانت تتمثل في "الجبهة الاشتراكية الوطنية"، واستطاعت اطاحة عهد الشيخ بشارة الخوري بثورة بيضاء، اذ انها كانت تتوقع ان تكون جزءا اساسيا في الحكومة الاولى للعهد الجديد، لكن الرئيس شمعون ارتأى ان يشكل حكومته الاولى من خارج مجلس النواب برئاسة الامير خالد شهاب وعضوية الوزراء: موسى مبارك، سليم حيدر، جورج حكيم ونالت الثقة بالاكثرية، ولا ثقة بصوت واحد، وامتناع صوتين.

وفي مستهل عهد الرئيس فؤاد شهاب تشكلت حكومة برئاسة رشيد كرامي وعضوية الوزراء فيليب تقلا، شارل حلو، محمد صفي الدين، يوسف السودا، رفيق نجا، فريد طراد، فؤاد نجار، لكن هذه الحكومة التي اعترض حزب الكتائب على تشكيلها لانه غير ممثل فيها، لم تَمْثُل امام مجلس النواب ولم تتقدم ببيان وزاري، وكادت استقالتها تدخل البلاد في ازمة وزارية، لكن وجود رجال دولة كبار يومئذ حال دون ذلك فكانت الحكومة الرباعية التي تم تشكيلها باقتراح من العميد ريمون اده وهو الخصم السياسي اللدود للرئيس شهاب والمنافس الوحيد له في انتخابات الرئاسة. وقد مكث العميد اده حتى الثالثة بعد منتصف الليل في منزل الرئيس شهاب في جونيه بحثا عن حل. وكان الرئيس شهاب يسأله كل مرة عن الحل، فيسأله اده بمن تتمسك في الحكومة التي استقالت، فأجابه: "برشيد كرامي وفيليب تقلا"، وقبل ان يجيب اده قال للرئيس شهاب: سأخبرك لماذا سقطت الحكومة الاولى. لقد جئت بالمتراس الاسلامي الذي هو رشيد كرامي ولم تمثل المتراس المسيحي الذي هو بيار الجميل. فقال له الرئيس شهاب اذاً تريد توزير بيار الجميل (وكان يسميه بطرس الاكبر) فرد العميد "انا افعل ذلك لاني لا اقدم مصلحتي الشخصية على مصلحة البلد، ثم إن مصلحة عهدك في بداياته تقتضي ذلك وأرى ان يصار الى تأليف حكومة من اربعة وزراء، فاستغرب الرئيس شهاب هذا الاقتراح، قائلا: "بثمانية وزراء لم اقلع، فكيف يمكننا ان نقلع بأربعة؟"، فأجابه اده: "انت رجل عسكري ممتاز لكنك تجهل السياسة اللبنانية، يجب ان نقوم بصدمة بسيكولوجية، وعندئذ يتسلى الشعب اللبناني بالرقم 4، ووجد اقتراح اده صداه فولدت بعد منتصف الليل الحكومة الرباعية من الرئيس رشيد كرامي والوزراء: حسين العويني، ريمون اده، بيار الجميل وحملت شعار "لا غالب ولا مغلوب" بدلا من شعار حكومة رشيد كرامي الاولى "قطف ثمار ثورة 1958".

ولجأ الرئيس شارل حلو للخروج من ازمة وزارية الى تشكيل حكومة رباعية برئاسة عبد الله اليافي وعضوية: حسين العويني، بيار الجميل، ريمون اده بعدما تشكلت حكومة في 12 تشرين الاول برئاسة عبدالله اليافي لم تدم سوى ثمانية ايام ولم تَمْثُل امام المجلس النيابي وقدمت استقالتها بسبب الظروف السياسية والامنية التي رافقت تأليفها، علَّ الوزارة المختصرة بالشكل تستطيع اجتياز مرحلة دقيقة مرت بها البلاد.

ان العودة الى تاريخ تشكيل حكومات مصغرة، سواء من داخل مجلس النواب او من خارجه تدل على ان الخروج من ازمة تشكيل الحكومات يتم عادة بتشكيل حكومة اقطاب او حكومة من خارج مجلس النواب عندما يتعذر لاسباب شتى على رئيس الجمهورية المكلف تشكيلها من جميع القوى السياسية الاساسية في البلاد.

وترى اوساط سياسية ان من حق الرئيس سليمان في حال استمرت ازمة تشكيل حكومة وحدة وطنية تراوح مكانها ان يقوم بمبادرة انقاذية لانه قد يكون ثمة من يخطط لوضع العهد بين خيارين: اما فرض الحكومة التي تريدها الاقلية المعارضة وقوى 8 آذار على الاكثرية وعلى قوى 14 آذار، لكسرها وتطويع العهد وإضعاف الرئيس المكلف سعد الحريري، او مواجهة ازمة حكم… ويمكن الرئيس سليمان بعد انتظاره وقتا كافيا وهو صابر على المناكفات والمماحكات السياسية التي تتغلب فيها المصالح الشخصية والانانيات على مصلحة الوطن والمواطن، ان يوجه رسالة الى مجلس النواب يضع فيها هذا المجلس امام مسؤولياته التاريخية والوطنية اذ ما اضطر الى تشكيل حكومة اقطاب او حكومة من خارج المجلس تكون بتجانسها وانسجامها قادرة على العمل والانتاج ومعالجة الشؤون الحياتية التي تهم الناس قبل اي شيء آخر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل