الرئيس سليمان … والغاء الطائفية السياسية
الرئيس ميشال سليمان رئيس الجمهورية اللبنانية ابن عائلة مسيحية مؤمنة ، عندما دخل مع عائلته إلى القصر الجمهوري للمرة الاولى كان الشيء الاول التي قامت به السيدة الاولى إقامة مزار للسيدة العذراء في مقر سكنهم في القصر الجمهوري.
عند تطويب الاب يعقوب الكبوشي في وسط بيروت كان الرئيس سليمان وعقيلته في مقدم المصلين يشاركون في هذا اليوم العظيم لكن اللافت بمشاركتهم في هذه الصلاة كان تعبيرهما عن ايمانهما الكبير من خلال مشاركتهما بالصلاة بحرارة حقيقية لأنه في معظم الاحيان تكون مشاركة كبار مسؤولي الدولة في هكذا احتفالات " فولكلورية واستعراضية " اكثر منها ايمانية . ومشهد الرئيس وعقيلته يصليان بايمان لا يزال راسخاً في عقول معظم اللبنانيين الذين تابعوا هذا الحدث الهام من تاريخ لبنان .
فمن يخاف الله لا يفرط بوطنه ولا يفرط بحقوق شعبه بل يحميهم ويدافع عنهم ويحافظ على الوزنات التي اعطيت له ويضاعفها .
ثمة من يسأل بعد هذه المقدمة لماذا هذا الكلام وهذا الشرح عن ايمان ومسيحية الرئيس سليمان وعائلته .
الجواب هو ودون تردد ان هذه المقدمة هي لطرح موضوع حساس ودقيق يدور حوله الكثير من نقاط الاستفهام وهو موضوع الغاء الطائفية السياسية التي طرحها رئيس الجمهورية في خطابين هامين خلال السنة الاولى من عهده وما كان لهذا الطرح من ترددات على الرأي العام الاعلامي والشعبي .
لنكن صادقين ونقول ان موضوع الغاء الطائفية السياسية هو موضوع يقلق المسيحيين كثيراً ويجعلهم يطرحون الكثير من الاسئلة حول مصيرهم ووجودهم وبقائهم ، ورئيس الجمهورية وخلال السنة الاولى من عهده طرح هذا الموضوع الحساس في خطابين الاول خلال الحفل الذي أقيم لمناسبة مرور سنة على توليه السلطة في جبيل والثاني في خطاب عيد الجيش في الاول من آب الماضي .
في أول سنة من عهده ، دأب الرئيس سليمان على القيام بجردة حساب عامودية وأفقية لما تضمنته هذه السنة من حسنات وسيئات وايجابيات وسلبيات على المستوى السياسي والوطني والشعبي ، متسائلاً كيف له ان يحكم البلاد ويكمل عهده وهو يرى ان اتفاق الطائف الذي يحكم الوطن فيه "اشكالات دستورية " تأكدت له بعد تجربته في الرئاسة و خلال ممارسته للحكم في السنة الاولى من عهده .
الرئيس ميشال سليمان ماروني المذهب ، لم يخشى المحظور عندما قارب موضوع إلغاء الطائفية السياسية في خطاباته ، فالطائفة المارونية التي تحتل الموقع الاول في الدولة هي طائفته ، انما المواطنية اللبنانية و ميثاق العيش المشترك هما الاساس في رأيه في قيام دولة القانون و المؤسسات وليست الطوائف ، فما النفع من المناداة بالسيادة والحرية والديمقراطية وفصل السلطات طالما انه في النهاية ستاتي المحاصصة لكل زعيم طائفة على حساب الكفاءة والنزاهة عموماً وداخل طائفته خصوصاً ؟
ما النفع اذا كان الجميع يأتي بالمحسوبيات السياسية والطائفية على حساب التخصص والانتاجية ، وبالأزلام على حساب العلم والثقافة ؟ وما هو مردود ذلك على الطوائف .
مع ان رئاسة الجمهورية هي للموارنة فإن الرئيس سليمان آثر ان يكون عهده عهد الاصلاحات السياسية ، آملاً ان يسلم من سيأتي بعده دولة مؤسسات لا دولة طوائف و التي عانى اللبنانيون منها عقوداً طويلة وأتت بالخراب والدمار والذبح على الهوية وبموت الآف الناس البست معظم أمهات لبنان الاسود وصبغت قلوبهن بالظلمة .
مجرد طرح موضوع إلغاء الطائفية السياسية أو الكلام عنه سيغيظ بعض المراجع الروحية والسياسية لدى معظم الطوائف ، لذلك المطلوب قبل البدء بطرح هذا الموضوع الحساس وضع قانون انتخابي عادل يعكس التمثيل اللبناني الصحيح ويرضي الشباب والطاقات المهاجرة التي غادرت لبنان بحثاً عن عمل وليس بحثاً عن طائفة ، وبحثاً عن استقرار وليس بحثاً عن استزلام ومحسوبيات وكذلك يجب ان يأتي الغاء الطائفية السياسية بالتدرج بما معناه في خطوة اولى اقتسام السلطة بين المسلمين والمسيحيين مناصفة دون اقتسامها على اساس مذاهب (موارنة – كاثوليك – ارثوذكس – سريان – أرمن وغيرهم ) أو ( سنة – شيعة – دروز – علويين الخ …) ، وقد أتى الرئيس سليمان في خطابه في عيد الجيش على هذه النقطة بالذات مناشداً الشباب للعودة ودعم الوطن بالقدرات والمواهب الغنية ، وهو لم يكن خائفاً من طرح هذا الموضوع الحساس طالما ان قانوناً انتخابياً عادلاً وممثلاً لكل اللبنانيين سيكون هو الحكم ، وطالما ان الرئاسة ستكون للبنانيّ كفوء وضامن لسيادة لبنان من اي طائفة كان ، فربما اختار النواب المسيحيون يومها رئيساً مسلماً وربما اختار النواب المسلمون رئيساً لمجلس الوزراء مسيحياً أو رئيساً لمجلس النواب مسيحياً ، طالما ان هذا الاختيار يحكمه البند " ي " من مقدمة الدستور والذي يقول بأن " لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك " .
وهنا لا بد من التذكير بأن التغيير الديموغرافي والعددي لا يمكن ان يؤثر على المناصفة في مؤسسات الدولة ولا حتى في انتخاب رئيس للجمهورية او رئيس مجلس الوزراء او رئيس مجلس النواب.
الرئيس سليمان طرح ايضاً صلاحيات رئيس الجمهورية إلى جانب الغاء الطائفية السياسية ليقول ان هذه الصلاحيات تعطى لأي رئيس للجمهورية ليستطيع ان يكون حكماً فعلياً ورمزاً للبلاد ، لذلك فإن مقاربة الرئيس سليمان لهذا الموضوع هي وطنية و موضوعية بامتياز ، خصوصاً وانه اشار إلى العلة ومكامنها، وما يعتري اتفاق الطائف من شوائب لتعديلها بما يكفل تحقيق التوازن بين اللبنانيين.
ان ما أتى على ذكره الطائف ايضاً حول انشاء مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القرارات المصيرية للبلاد هو ايضاً ضمانة إضافية للمحافظة على التوازن السياسي في لبنان، وهذا يأتي ايضاً في سياق إلغاء الطائفية السياسية التي إن عدنا جميعاً إلى السنوات السابقة نرى ان "المارونية السياسية" هي التي كانت حاكمة ومسيطرة على مقدرات البلاد ، فوصلنا إلى ما وصلنا اليه في العام 1975 من حرب ودمار وخراب ومن ثم وصلنا إلى اتفاق الطائف الذي اوقف الحرب وأقام دستوراً جديداً اعطى فيه رئاسة مجلس الوزراء للطائفة السنية لتسيير شؤون البلاد ، حيث لم تصطلح الامور ايضاً ووصلنا إلى ما وصلنا اليه اليوم حيث بقي موقع الرئاسة شاغراً لاشهر ودون رئيس وها نحن اليوم امام معضلة خطيرة وصعبة في تأليف الحكومة على رغم فوز فريق سياسي على فريق سياسي آخر ونيله للاكثرية النيابية وهذا يعني سياسياً ان خللاً كبيراً يجب اصلاحه في اتفاق الطائف وان ما ينادي به رئيس الجمهورية حول الاصلاحات والاشكالات الدستورية هو صحيح ويجب اخذه على محمل الجد من اجل قيام وطن حقيقي لكل ابنائه.
هذه الامور لمسها الرئيس سليمان خلال السنة الاولى من عهده ، فأعتبر ان من واجبه ان يطرح مسألة الاشكالات الدستورية ولو تطلّب ذلك تعديلاً في الدستور ، طالما ان ذلك يكون لمصلحة الشعب اللبناني كل الشعب اللبناني حسب الدستور مصدر السلطات .
من هنا يجب على الجميع دعم مسيرة رئيس الجمهورية التوافقية والغير طائفية والغير مذهبية والوطنية ، هذا الرئيس الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة داخلية وصداقات خارجية لبناء دولة المؤسسات والقانون ، دولة تحترم الانسان وطاقاته وابداعاته دون التطلع إلى طائفته ومذهبه ودينه .