مَنْ "يأمرهم" بالبطالة ؟
حتى مع توغلها الى الاسبوع التاسع بلا اي أفق زمني مضمون لنهاية وشيكة، لم ترق ازمة تشكيل الحكومة بعد الى مرتبة سابقة استثنائية لفرط ما تألبت على لبنان انماط مماثلة لهذه الازمات. اما ما بات يُعتد به، في اللحظة الراهنة، وقياسا بكل الصخب السياسي والغليان اللذين سادا لبنان منذ اكثر من اربع سنوات، فهو "السابقة" بعينها التي تحكم المراجع والمسؤولين والسياسيين وربما بعد حين كل الطبقة السياسية اسوة بالدولة نفسها، ببطالة عميمة لم يسبق ان عايشتها الجمهورية السعيدة في اي تجربة حكومية مماثلة.
انها "مشهدية" مذهلة فعلا ان يتهافت مسؤولون وزعماء وسياسيون تباعا وهرولة الى الصمت والصوم والتكتم وسائر مشتقات الاحتماء من غدرات الكلام في عز ازمة تتصاعد وتعلو وترتفع، ولا الصمت يؤتي ثماره ولا الهمس يفسر الاسرار، فاذا بالثرثرة كما التكتم وجهان لعملة واحدة هي ازمة الانحباس.
لم نفهم حين كانوا يثرثرون ويتراشقون بأطايب الكلام العطر وكل مشتقات الحوربة ومفردات الثقافات العامرة، ايهما يأكل من عمر اللبنانيين مجددا: الاقليمي – الخارجي ام البلدي – المحلي ويحكم قبضته الآسرة على حكومة كأنها حكمت بعاهة الولادة سلفا بمنعها من رؤية النور في اللحظة الاخيرة من المخاض؟
ولم نفهم اكثر واكثر اي آسر قوي مخيف هذا الذي استنبط فضيلة الصمت وعمّمها وراح السياسيون يتدافعون، على عكس كل ما فطروا عليه وادمنوه، الى الالتحاق بأمره الذي لا يرد، وهل هو ايضا الخارجي الغامض ام الداخلي المريب؟
ولعلها المشهدية الاشد مدعاة للسخرية في خطها البياني السريع، ان تهبط بدعة الصمت على طبقة سياسية اوصلت الحوربة السياسية الى ذروة ذرواتها قبل اقل من شهرين ونصف مع انتخابات العصر، فلم تجد الآن موئلا للتستر على الازمة او للاحتماء من حممها سوى بتعميم مملكة الصوم على المؤمنين، وغير المؤمنين. اما الوجه الآخر الاشد اذهالا فهو ان الغالبية الساحقة من عموم الناخبين والمترددين والمقاطعين سواء بسواء، اي معظم اللبنانيين، لا يطلقون ادنى الاشارات واقلها بالمقياس الطبيعي حيال مجرد فضول لمعرفة سر هذا الاستنقاع الذي يغرق حكومة قيد الولادة في عد تراكمي لأسبوع تلو الآخر وغموض اثر غموض ومجهول عقب مجهول.
بل ان عموم الناخبين على الارجح استطابوا انكفاء الثرثرة تدريجا، يحدوهم موسم لاهٍ بعدّاد السياح الذي يكرّ مزهواً بمشهد الحشد الوافد. وغالبا ما يخبئ الصيف غدرات الخريف المؤلمة ومواسم الوجع التي لا تستفيق الا ويكون عدّاد المشاكل وازمات الناس قد طفح، وتروح السكرة وتأتي الفكرة مع آخر الراحلين عن الليالي الصيفية الهازجة. ولربما قلة نادرة لم تتنبه بعد الى ان "بقايا الدولة اللبنانية" تقتصر في ايام آب الجاري على بضعة استقبالات باهتة لدى هذا او ذاك من المراجع والمسؤولين، والى ان "الاجازة" القسرية لم تكن تنتظر حلول شهر رمضان المبارك لتزيد وحشة الفراغ ولتنفح حكومة تصريف الاعمال بمزيد من المصل المحيي والممدد.
وباجتهادات قانونية ودستورية، ومن دونها، ترتع هذه الحكومة سعيدة "بالمفرق" بين وزراء اهداهم الحظ السعيد نعمة الحفاظ على الامتيازات شهورا اضافية فراح بعضهم يبتهل علنا والبعض الآخر يرنم سرا لديمومة هذا المأزق الحميد، ما دامت الجمهورية تأبى الجديد وتتمسك بالعتيق.
ومع كل ذلك لم نفهم ولن نفهم على الارجح، ايهما "الفاعل" المجهول: الخارجي ام البلدي؟