المؤسسات الأمنية ملأت الفراغ فما المانع من تفعيلها؟
ثمة مفارقة كبيرة في هذا البلد، فبمقدار ما تشهد فراغاً على المستوى السياسي، بالمقدار ذاته تشهد انجازات على المستوى الأمني كأن الوضع الأمني في البلاد لا علاقة له بالوضع السياسي، وثمة أسباب لهذا (الافتراق)، إذا صحّ التعبير، ويمكن إيراد عيِّنة منها، ومن أبرزها:
– الطابع المؤسساتي للادارات والمؤسسات والأجهزة الأمنية، وهذا ما يُشكِّل عامل إطمئنان للمواطن.
– هناك أسماء توحي بالثقة وتجعل اللبناني يعيش حال استقرار:
فمن العماد جان قهوجي الى اللواء أشرف ريفي الى اللواء وفيق جزيني الى العميد أدمون فاضل الى العميد وفيق شقير وصولاً الى العقيد وسام الحسن. هذه الأسماء يكفي ذكرها ليشعر المواطن بأنه مهما تعقَّد الوضع السياسي فإن بإمكانه الاستمرار في عمله وكأن الدنيا بألف خير، تدليلاً على هذا الواقع كم من المرّات سمعنا في الفترة الأخيرة ان البلاد تسير من دون حكومة، لكنها لا تستطيع أن تسير من دون مؤسسات أمنية، فالموسم السياحي لهذه السنة كان تاريخياً وقياسياً ولم يشهد لبنان مثيلاً له منذ أكثر من نصف قرن، جرى هذا الحدث السياحي في ظلّ حكومة تصريف الأعمال لكنه، وفي الموازاة جرى في ظلّ ادارات أمنية قامت بـ (تصريف الأفعال)، أليس ملفتاً ان يمرّ موسم السياحة من دون (ضربة كفّ)؟
لم يكن هذا الواقع ليحدث لو لم تكن الأجهزة الأمنية هي العين الساهرة على حركة المطار والمناطق التي شهدت مهرجانات سواء في بعلبك أو في صور وبيت الدين وجبيل والذوق والبترون.
شعر اللبنانيون بأن السياحة والسياسة غير متلازمَين فيما الأمن والسياحة متلازمان بشكل كبير، واذا كان الأمن قائماً على عدة مؤسسات فإن السياحة قائمة على (مؤسسة) واحدة هي وزارة السياحة، فمع الوزير ايلي ماروني لم تعد هذه الوزارة ثانوية أو هامشية بل أصبحت وزارة أساسية لأنها نجحت في إستيعاب مليوني سائح وهو ما يوازي نصف عدد المقيمين في لبنان، وهذه ظاهرة قلما شهد بلدٌ خارجٌ من (حروب) مثيلاً لها.
* * *
ماذا تعني هذه الحقائق؟
تعني أولاً انه يجب إيلاء عناية قصوى بالمؤسسات والادارات الأمنية ليس بالكلام و(التنويه) فحسب، بل بصرف الموازنات التي تجعلها قادرة على الاستمرار في الاضطلاع بمسؤولياتها.
وتعني ثانياً ان المؤسسات الأمنية هي التي تؤمّن استمرارية الدولة في ظلّ الوهن الذي يصيب المؤسسات السياسية.
وتعني ثالثاً ان السياحة والأمن متلازمان بدليل نجاح هذا الموسم في غياب السياسة وفي ظلّ الحضور الكلّي والفاعل للأمن.