عرقلة الحكومة جزء من حالة الانتظار الإقليمية ؟
ملفات المنطقة معلّقة على خطة السلام الاميركية
حرص الرئيس الاميركي باراك اوباما خلال مناسبتين اخيرا احداهما كانت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لواشنطن، ثم اتصاله شخصيا بالعاهل الاردني الملك عبدالله الثاني، على تجديد التزام بلاده تحريك المفاوضات السلمية في المنطقة، وتحديدا، وقبل اي أمر آخر، المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية في وقت قريب جدا ينتظر او يتوقع كثيرون ان يكون في الخريف المقبل. ومع انه ركز في كلمة له في مناسبة حلول شهر رمضان على التزامه حل الدولتين بالنسبة الى فلسطين واسرائيل، فانه كان اكثر وضوحا في تأكيد التزامه "علاقة جديدة" مع المسلمين انطلاقا من الخطاب الذي القاه في القاهرة مطلع حزيران الماضي، علما ان هذا العامل الاخير لا يفترض ارتباطه بالعامل الاول، اي حل قضية المنطقة.
مراقبون كثر يعتقدون ان هذا الالتزام المتجدد يرفع حجم الامال المعلقة على اهتمام اميركي جدي يؤدي الى حلول في المنطقة، وخصوصا ان اوباما مستمر في الضغط على اسرائيل في موضوع تجميد المستوطنات وفي السعي الى ايجاد مخرج مقبول لها يسمح بمعاودة المفاوضات بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني في وقت قريب. بل ان دولا ممن اطلع مسؤولوها على المكوكية التي قام بها المبعوث الاميركي الى المنطقة جورج ميتشل في المنطقة تبدو شبه واثقة من ان التصور العملاني الذي يتم العمل عليه لا بل "خريطة الطريق" المتجددة ستكون قيد التطبيق قريبا، نظرا الى اصرار من الادارة الاميركية بالذات على المسار الفلسطيني الاسرائيلي قبل سواه، على رغم تأكيد الاميركيين العمل على المسارات الثلاثة معا، اي الفلسطيني والسوري واللبناني، ولعل ذلك يعود الى تأثيرالمنسق السابق لعملية السلام في المنطقة دنيس روس الذي يتمتع بموقع مهم في البيت الابيض راهنا، وقد كانت الافضلية دوما بالنسبة اليه للمسار الفلسطيني قبل سائر المسارات الاخرى لاعتقاده كما آخرين كثر بان القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في المنطقة ويتعين حلها قبل اي مسار آخر.
وواقع الامر ان كثرا في العالم العربي وحتى في اوروبا وخارجها ينتظرون في هذه المرحلة ما ستعرضه ادارة اوباما في الخريف، اي الشهر المقبل، او في تشرين الاول على ابعد تقدير، بدليل ان جملة امور في المنطقة تبدو معلقة نوعا ما على هذه المبادرة. والاوروبيون ايضا يضغطون في هذا الاتجاه او يعلقون جملة مسائل يتعين حلها، على ضرورة تحريك سريع للعملية السلمية مجددا، ويعتقدون ان افرقاء كثرا في المنطقة لا يتعاملون مع هذه التطورات على مستوى التحدي الذي تطرحه، في حين يرى مراقبون محليون ان الحماسة الغربية تنطوي على سذاجة معهودة في تناول شؤون المنطقة. وفي اي حال، فان ما تتوقعه مصادر ديبلوماسية غربية مبني على قاعدة ان هناك ما يتم تحضيره بجدية، وسيطرح قريبا، علما ان مراقبين محليين يتسم انتظارهم لما سيعرض بواقعية اقرب الى التشاؤم منها الى التفاؤل، انطلاقا من التجارب مع الادارات الاميركية السابقة والتي كانت تحدد مهلا زمنية ايضا لإيجاد حلول لقضية المنطقة من دون نجاح يذكر في نهاية الامر، بالاضافة الى جملة عوامل اخرى. ومعلوم ان اوباما انطلق في الاشهر الاولى من عهده بدعم اميركي كبير سرعان ما بدأ يتزعزع مع تراجع لا باس به في شعبيته بسبب قضايا تتعلق بالداخل الاميركي المتعلق بالمسائل الصحية وما الى ذلك. لكن توزع اهتمامه على اكثر من جبهة واحدة داخلية وخارجية من بينها قضية بأهمية الصراع العربي الاسرائيلي لا بد ان يترك انعكاساته على سائر المسائل التي يهتم بها وليس على احدها من دون الاخرى في راي هؤلاء المراقبين، وانطلاقا من ان ضعفه في الداخل الاميركي يسمح للكثيرين بالانقضاض عليه ولا سيما منهم اليهود الاميركيون الذين لا يرتاحون الى الضغط على اسرائيل.
اضف الى ذلك ان هناك معطيات موضوعية تدعو الى التساؤل عن القدرة على النجاح في التقدم نحو ما وعد به اوباما، من بينها مثلا في العناوين العريضة المعروفة وليس في التفاصيل، اشتراط التوافق الفلسطيني الفلسطيني لكي يشكل الجانب الفلسطيني محاورا قويا للجانب الاسرائيلي، وموضوع تجميد المستوطنات الاسرائيلية واشتراط اسرائيل الاقرار بيهوديتها، بالاضافة الى استمرار موضوع ايران معلقا، اي في انتظار حوار لا يبدو انه سيبدأ في المدى المنظور بمقدار ما تلوح في الافق العقوبات التي يعتزم المجتمع الدولي فرضها على ايران، في حين ان هذه الاخيرة تملك من الاوراق ما يسمح لها بإعاقة امور عدة في المنطقة ما لم تكن جزءا منها. وقد يكون من الامثلة على ذلك العرقلة التي يشهدها تأليف الحكومة اللبنانية العتيدة، على رغم ان الانتخابات النيابية كانت حاسمة في نتائجها، والتي تضيع المسؤولية في تأخيرها من الخارج الاقليمي بين ايران وسوريا او الاثنتين معا، باعتبار ان ثمة اطرافا آخرين مؤثرين لا يعتقد ان لهم مصلحة راهنة في تأخير تأليف الحكومة، بل على العكس من ذلك.
وعلى عكس ما يذهب اليه البعض من انعكاسات قد تكون بالغة السلبية في حال لم تكن المبادرة الاميركية على مستوى التوقعات وكذلك احتمالات نجاحها، فان المراقبين انفسهم لا يستبعدون احباطا كبيرا قد يتسبب به ذلك. لكن هذه كانت الحال في كل مرة كانت تصل الامور فيها الى نقطة مهمة، خصوصا متى اخذ في الاعتبار، وفق ما يرى هؤلاء، زخم قوي انطلق منه اوباما بناء على نيات بالتغيير الجدي والحقيقي وعلى نحو يتناقض مع ما قام به سلفه، الا انه قد يصطدم بوقائع لم تؤخذ في الحسبان مثلما وجدت الولايات المتحدة نفسها مثلا في مواجهة التطورات في ايران وتداعياتها، ومع ما وجدت نفسها تواجهه مع اسرائيل ايضا.