كيف السبيل الى تحويل مساحة الـ10452 كلم مربع الى وطن ؟
عندما يكون هناك شبه يقين، أو حتى يقين كامل، عند مختلف الأفرقاء في لبنان، ممن يمثلون الطوائف والمذاهب المتعددة، أن لبنان الحالي ليس سوى دولة الصدفة، أو جمهورية الصدفة، او الاصح وطن الصدفة، الذي خلقه الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن الماضي، ليؤمّن لمسيحيي لبنان والمشرق الاسلامي، مساحة جغرافية كافية لتلم شملهم وتشعرهم بالأمان في «وطن» أكبر من وطنهم «لبنان الصغير» الذي كانوا يتقاسمونه مع الدروز تحديداً، بوجود أقليتين سنيّة وشيعية، وأن هذا اللبنان فقد منذ مدة صلاحيته والهدف الذي من أجله وجد، وبعد حوالى تسعين سنة على تجربة الدمج الطائفي التي قام بها الفرنسيون، فان المنطق السليم والواقعي يكون، بعدم التمسك بهذه الصيغة التي استولدت الحروب والفتن والقلاقل والاهتزازات الأمنية الدورية، بل يكون بالتفتيش، وعن طريق الحوار الهادىء العقلاني، عن صيغة بديلة، تسمح في نهاية الأمر أن تحوّل مساحة الـ10452كلم مربع الى وطن حقيقي تستطيع جميع الطوائف والمذاهب أن تعيش فيه بسلام وامن واستقرار، في ظل دولة واحدة عادلة وقوية، وجيش واحد وطني الهوى والممارسة، ورئيس واحد آب، ضابط الكل، وعلى مسافة واحدة من الكل، وليس كما هو الحال اليوم، حيث الخوف والقلق على المصير والمستقبل هما الخبز اليومي لفريق من اللبنانيين، وحيث السيطرة والقوة والاستقلالية والسلاح عند فريق آخر، وحيث الشعور بالاطمئنان عند فريق ثالث، لأنه جزء من عالم كبير يستند اليه عند الضرورة.
اليوم، في الحالة الراهنة، من السخف والهرطقة ان نعتبر أن لبنان، وطن سويّ، ومن الغباء ان نعتبر أن هناك دولة لكل اللبنانيين، ومن المكابرة أن نشعر انه من الممكن ترتيب البيت اللبناني بالتي هي أحسن، وعلى الطريقة العشائرية لأن ما جرى في لبنان منذ العام 1975 وحتى العام 2005، وما جرى بعد العام 2005 وحتى هذه الأيام التي يتعذّر فيها تشكيل حتى حكومة، يثبت عدم امكانية، لا بل استحالة أن نرى لبنان الوطن يقوم من رماد الحرائق التي اشعلها اختلاف الاهداف بين كل طائفة وطائفة، وكل مذهب ومذهب.
*****
ربما يرى البعض في لبنان أن الاهتراء الذي يأكل عافية ما بقي من الدولة والمؤسسات، خير مساعد له على تحقيق ما يؤمن به ويعمل له، للمستقبل القريب أو البعيد، بالاستيلاء على لبنان كاملاً، وفرض نظامه وعقيدته وصيغة عيشه، ولذلك يرفض البحث بأي صيغة انقاذية تحفظ مصالح الكل، الا الصيغة التي تناسبه، بمثل ما يرفض حتى الحلول التي تساعد على تسيير عجلة الحكم، مستخدماً بذلك ما يجوز وما لا يجوز، والا لماذا هذا الرفض الدائم لتسليم الدولة حقوقها، ولماذا بناء المؤسسات البديلة التي تأكل من دور الدولة، ولماذا يطلبون الشيء ويتصرفون نقيضه، حتى انهم رفضوا مبادرة البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير، الذي فتح كوّة واسعة في الجدار الطائفي، عندما دعا الى حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية، لأن صفير بهذه الدعوة فتح الباب امام الاقلية الحالية التي تقول بانها اصبحت اكثرية بعد موقف النائب وليد جنبلاط، لتشكل هي الحكومة وتتسلم الحكم، واذا تعذّر الامر اليوم فالغد على الابواب ولكن الحقيقة، انهم يريدون لهذا الكيان المهتزّ أن يسقط مثل حبة التين الناضجة، والا كانوا وجدوا الف باب وباب، والف طريقة وطريقة، للتفتيش مع باقي الشركاء على مساحة الارض هذه، عن صيغة لإنعاش العيش الواحد بين طوائف مختلفة، بدلاً من صيغة تسلّط طائفة على باقي الطوائف، والاستئثار بالحكم والمقدرات.
*****
اتفاق الطائف، هجم على صيغة 1943، وانتزع منها ما اعتبره السنّة في وقتها، حقوقاً سليبة من حقوقهم، ولكن الطائف الذي اوقف الحرب، لم ينظّف البؤر السياسية والطائفية التي تستولد الحروب والفتن، ولذلك فان اعتقاد السنّة بأن الطائف هو خشبة الخلاص والحل السحري لمشاكل لبنان، هو اعتقاد خاطىء ومدمّر ان هم تمسكوا به ورفضوا تعديل ما يجب تعديله، خصوصاً بعد تجربة استمرت عشرين سنة، واذا قيّض للبنان واللبنانيين ان يشهدوا الايجابيات وانفراجاً في تشكيل الحكومة الجديدة، على ما حملت آخر الانباء، واتيح امام الجميع فرصة هدوء واستقرار، تصبح دعوة رئىس البلاد العماد ميشال سليمان الى تصحيح الخلل في بعض بنود الطائف ضرورة وطنية، ومن واجب الجميع، وخصوصاً الطائفة السنية الكريمة، التي رفعت عن ايمان واقتناع ووطنية، شعار «لبنان اولاً..» المبادرة الى سلوك الطريق التي قد تؤدي في نهاية المطاف الى خروج اللبنانيين من طوائفهم ومذاهبهم ومن صفوف القطعان، الى رحاب الوعي والفكر والاستقلالية وحرية الموقف، وقبل كل شيء الى الدولة والوطن اللذين ما زلنا نحلم بهما ونفتش عنهما، وعلى مذبحهما قدّم عشرات الوف الشهداء ارواحهم ودماءهم من دون حساب.