ما الذي تستطيعه حكومة تصريف الاعمال الحالية؟
المحامي جورج ابو صعب
في اطار النقاش القانوني والدستوري للمرحلة الحالية التي يمر بها لبنان في ظل حكومة تصريف اعمال يرأسها الرئيس فؤاد السنيورة والمعتبرة مستقلية بحكم المادة (69) من الدستور (فقرة – ه) نظرا لبدء ولاية مجلس النواب الجديد اثر انتخابات 7 حزيران الماضي – وبعد دراسة الاراء الفقهية التي صدرت عن اكثر من مرجع قانوني في لبنان – يهمنا من منطلق العلم والحرص على مصالح البلاد والمواطن العليا تسجيل الملاحظات والرأي الدستوري الاتي:
اولا: مفاعيل اعتبار الحكومة الحالية مستقيلة في النص الدستوري
بالاستناد الى المادة (69) من الدستور – الفقرة (ه) تعتبر الحكومة مستقيلة عند بدء ولاية مجلس النواب – ما يعني انه واعتبارا من تاريخ 8 حزيران 2009 اصبحت حكومة الرئيس السنيورة في حكم المستقيلة من دون الحاجة لاي قرار او كتاب استقالة او قبول استقالة – لان حالة الاستقالة هنا حالة قانونية بقوة النص الدستوري وملزمة حتماً.
وبالعودة الى نص الفقرة (3) من المادة نفسها: عند اعتبار الحكومة مستقيلة يصبح مجلس النواب حكما في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة – ما يعني ان من واجب الرئيس نبيه بري (رئيس مجلس النواب ) الدعوة الى ابقاء جلسات المجلس مفتوحة – وليس الدعوة الى انعقاد المجلس – لان النص الدستوري الذي يفسر حصريا – لم ينص على توقف الانعقاد على دعوة رئيس المجلس المجلس للانعقاد بل اعتبر الهيئة البرلمانية منعقدة حكما في دورة استثنائية تستمر حتى تأليف الحكومة ونيلها الثقة – وبالتالي ثمة دور تأسيسي لمجلس النواب يفرض عليه الانعقاد الحكمي الى حين تشكيل الحكومة الجديدة ونيل الثقة – الامر الذي يعني انعقاد المجلس يوميا في هيئته العامة لمتابعة الاتصالات والمشاورات والمفاوضات لتشكيل الحكومة وليس الاكتفاء بلقاءات منفصلة او جزئية اسبوعية او يومية – فالمكان الطبيعي دستوريا للانعقاد هو تحت قبة البرلمان وفي قاعة الاجتماعات وليس في مكتب رئيس المجلس – وقد نصت المادة (49) من النظام الداخلي للمجلس على انعقاد مجلس النواب في دورات عادية واستثنائية وفقا لاحكام الدستور – وبالتالي ان مجلس النواب الجديد مفترض به ان يكون في حالة انعقاد دائمة منذ لحظة اعتبار الحكومة مستقيلة – وهو في دورة استثنائية – اي انه منعقد في قاعة اجتماعاته وجلساته المكان الطبيعي لاي دورة سواء استثنائية كانت ام عادية – فلهذه الجهة هناك تقصير كبير ليس من رئاسة المجلس فقط بل من النواب انفسهم.
فلو طبق هذا النص كما يجب ان يطبق لما انتقلت اجواء التأليف والتجاذبات والمفاوضات والمساومات الى الخارج بل بقي كل شيء محصور ضمن جدران مجلس النواب المكان الطبيعي والمفترض للحوار الوطني والتفاعل والتواصل بين كافة الكتل والقوى السياسية – الامر الذي لم يحصل الى الان رغم دستوريته والزاميته الدستورية.
ثانيا : الرأي الدستوري في مدى صلاحيات حكومة تصريف الاعمال
1- ثمة مبدأ في الحياة الدستورية العامة للدول والحكومات معروف بمبدأ: استمرار المرافق العامة – لان الحياة الوطنية وقضايا الناس والمواطنين والدولة لا يمكنها ان تتجمد الى حين تشكيل حكومة جديدة – فالدولة بحاجة اذا الى استمرارية في مختلف مرافقها الادارية والاستثمارية العامة – من هنا يجب ان تبقى الوزارة المستقيلة او المعتبرة كذلك في حالة تصريف اعمال عادية – expedition des affaires courantes الى حين تشكيل حكومة او وزارة جديدة – وعلى هذا سار النظام البرلماني.
2- ان الاعمال العادية المقصودة هي الاعمال التي لا تعرض مسؤولية اعضائها من وزراء الى نتائج سياسية – لانها لم تعد تحظى بثقة البرلمان اي الشعب ولم تعد قادرة على اتخاذ قرارات سياسية – وقد استقر الفقه والاجتهاد الدستوري الفرنسيين على ذلك : ( Marcel Lachaize – l”expedition des affaires courantes en periode de crise ministerielle – DALLOZ- ch.hebd.- 1952- p.65 et suiv.)
( CE. 22 Avril 1966- Federation nationale des syndicats de police – Actualite juridique – 1966- p.355- conc. Galmot)
3- فثمة اعمال اذا لا يؤدي القيام بها الى ترتب مسؤولية سياسية على الوزارة او الوزراء المستقيلين – وهي تلك الاعمال العادية التي يتوسع نطاقها او يضيق تبعا للمدة التي يستغرقها تشكيل حكومة دستورية جديدة وهي التي يمكن للحكومة المستقيلة او المعتبرة مستقيلة القيام بها خاصة متى توافر عنصر العجلة فيها بحيث تتحول الى اعمال جارية وليست اعمال عادية.
فيبقى بالتالي للحكومة المستقيلة او المعتبرة مستقيلة في خلال فترة الازمة السياسية الناجمة عن عدم تشكيل حكومة جديدة – ان تتخذ قراراتها في الشؤون الاضطرارية الضاغطة كافة، مثلا: الحفاظ على الامن العام او سلامة الاراضي او التزامات الدولة الدولية لو الحرب الخارجية (اي قرار الحرب ) او قانونية – خاصة متى تطلبت تلك القرارات العجلة تحت طائلة انتفاء الحق او الحاق الضرر بمصالح الدولة وعرقلة سيرها – ففي مثل هذه الحالات يكون من حق وصلاحيات الحكومة المستقيلة ان تتصرف كما لو كانت حكومة دستورية قائمة بكافة الاختصاصات والصلاحيات التي منحها للحكومة الدستور.
والجدير ملاحظته في هذا الشأن انه في العلم الدستوري كلما طال امد الحكومة المستقيلة كلما اتجهت الممارسة ومعها الاجتهاد القضائي الى توسيع نطاق صلاحياتها الضيق اصلا لكونها مستقيلة وفاقدة لثقة الشعب ولمشروعية التمثيل الدستوري – ففي عام 1969 عرف لبنان اطول ازمة وزارية في تاريخه البرلماني وقد استمرت حكومة المغفور له الرئيس رشيد كرامي المستقيلة اكثر من سبعة اشهر – وراحت تمارس كافة اعمالها في السياسة الداخلية والخارجية واصدار المراسيم وعقد اجتماعات لمجلس الوزراء احيانا لاتخاذ القرارات العاجلة والملحة – فلم يكن ممكنا ابقاء البلاد بلا حكومة لاكثر من سبعة اشهر – فهذه السابقة واقعة تاريخية وسابقة دستورية في الجمهورية اللبنانية يمكن التوقف عندها واستخلاص عبرها.
4- وبتاريخ 17 / 12 /1969 صدر اجتهاد اساسي من مجلس شورى الدولة اللبناني – القرار رقم (614) برئاسة الرئيس عبدو عويدات ابرز ما كرسه:
أ- ان زوال المسؤولية هو الذي يحدد نطاق الاعمال العادية التي يوكل الى الوزارة المستقيلة تصريفها.
ب- التفريق في تحديد نطاق الاعمال العادية بين الاعمال الادارية والاعمال التصرفية.
ت- والتفريق في الاعمال التصرفية بين العادي والاستثنائي.
ث- اعتماد مبدأ الحرص على المصلحة العامة في النظرة الى تصريف الاعمال خلال الفترة الانتقالية.
ج- فئة الاعمال العادية التي لا يمارس عليها الوزراء سوى اشراف محدود وتتعلق بالاعمال اليومية للهيئات الادارية اتمامها كتعيين ونقل موظفين وتصريف الاعمال الفردية.
ح- الاعمال التصرفية التي تحدث اعباء جديدة على الدولة او تتصرف باعتمادات هامة او تحاول ادخال تغيير جوهري على سير المصالح العامة وفي اوضاع البلاد تحت طائلة مسؤولية الوزارة تخرج من نطاق تصريف الاعمال العادية ولا يجوز لحكومة تصريف اعمال القيام بها.
خ- لكن يستثنى منها التدابير الضرورية التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وامن الدولة الداخلي والخارجي وكذلك الاعمال الادارية التي يجب اجراؤها في مهل محددة بالقوانين تحت طائلة السقوط والابطال – انطلاقا من الحرص على سلامة الدولة وامن المجتمع وسلامة التشريع.
د- الاجراءات اعلاه تخضع في اتخاذها وتقدير ظروف اتخاذها لرقابة القضاء الاداري بسبب فقدان الرقابة البرلمانية وانتفاء المسؤولية الوزارية.
فهذا القرار القضائي الاداري الهام وضع الضوابط القانونية والدستورية لمفهوم تصريف الاعمال – ونرى انه وبعد طول السنوات التي تفصلنا عنه لا يزال قابلا للتطبيق والسير فيه حتى ايامنا هذه .
وقد ميز بين الاعمال العادية التي تدخل في صلاحية الوزارة المستقيلة والاعمال التصرفية التي لا تقضي بها العجلة والمصلحة العامة وبين الحالات الاستثنائية التي تبيح ممارسة الحكومة المستقيلة لصلاحيات تصرفية محددة على الوجه الذي صار تبيانه وشرحه في القرار.
ثالثا : السابقة الاستثنائية في موضوع اقرار الموازنة
لقد عرف الحياة الدستورية اللبنانية اجتهاد استثنائي لاقرار الموازنة العامة عام 1969 في قلب الازمة الدستورية يومها: فانعقدت جلسة للحكومة المستقيلة للرئيس كرامي بتاريخ 4 / 11 / 1969 اتخذ في خلالها مرسوم احالة مشروع الموازنة الى مجلس النواب – اذ كان مستحيلا على رئيس الجمهورية انذاك احالة مشروع قانون الموازنة الى مجلس النواب خلال المهلة الدستورية التي كان منصوصا عليها في المادة (86) من الدستور في حينه – وفي الدستور الحالي نجد ان احالة مشروع الموازنة الى مجلس النواب يتطلب قرار من مجلس الوزراء باكثرية الثلثين في حال تعذر الاجماع – كما نلاحظ ان المادة (86) الجديدة تعطي رئيس الجمهورية الحق بالاتفاق مع رئيس الحكومة في دعوة المجلس النواب فورا الى عقد استثنائي لبت مشروع قانون الموازنة حتى نهاية كانون الثاني والا حق لمجلس الوزراء اصداره من خلال رئيس الجمهورية بمرسوم – لكن لا يستعمل هذا الحق باصدار الموازنة بمرسوم الا اذا طرح مشروع الموازنة على مجلس النواب قبل بداية عقده بخمسة عشر يوما على الاقل.
فروحية اجتهاد 1969 ممكن استخدامها والبناء عليها من اجل حل مشكلة الموازنة ان طالت الازمة الحكومية خصوصا وان الدستور الحالي يعطي اليات هامة في فتح دورات استثنائية لبت مشاريع الموازنة – فالمادة ( 33) من الدستور تعطي رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة الحق بدعوة مجلس النواب الى عقد استثنائي بمرسوم يحدد افتتاحها واختتامها وبرنامجها – كما ان على رئيس الجمهورية دعوة المجلس الى عقود استثنائية اذا طلبت الاكثرية المطلقة من مجموع اعضاء مجلس النواب ذلك.
من هنا فان ثمة سابقة تاريخية ودستورية عادت بموجبها حكومة مستقيلة الى ممارسة اختصاصات هامة وملحة – كاقرار مشروع الموازنة واحالته الى مجلس النواب – فضرورة الاستعجال باتخاذ مرسوم احالة المشروع الى مجلس النواب ضمن المهل تضفي على هذا العمل صفة الاعمال العادية التي يمكن للوزارة المستقيلة اجراؤه. ( مراجعة الدكتور انطوان بارود – رئيس هيئة القضايا والاستشارات السابق – في وزارة العدل – في جريدة الحياة – في عددها تاريخ 5/10/1969 ).
خلاصة البحث: ان تصريف الاعمال لا يعني تجميدا للحكومة المستقيلة بالمطلق ولا يعني استمرار الحكومة في ممارسة مسؤولياتها من دون ثقة البرلمان ومشروعية دستورية – بل ان تصريف الاعمال يضيق ويتسع مجال تطبيقه تبعا لعمر الازمة السياسية – لكن يبقى انه من الممكن في حالات الضرورة والعجلة والحالات الاستثنائية التي تتهدد مصالح الدولة العليا او ماليتها العامة لحكومة تصريف الاعمال ان تمارس صلاحيات حكومة دستورية لكن بماضيع محدودة ومحددة ولفترة زمنية محددة واحتراما لمهل قانونية او دستورية مسقطة.