ما يلمع ليس ذهبهم !
تكاد روايات الأقلية النيابية عن الوضع السياسي توحي أن النصر حليفها، وأن ما يتراءى لها في أفق الحالة الحكومية هو نجاح مؤزَّر في إلغاء مفاعيل فوز قوى 14 آذار بالأكثرية النيابية.
تقلبت الأقلية في مواقفها منذ تكليف رئيس تكتل "لبنان أولاً" تشكيل الحكومة، بين التسهيل، فالتعقيد، والتصعيد. وفي كل مرحلة من الثلاث الآنفة، كانت إشارة الانطلاق، لكل منها، واضحة، والأوتار التي يعزف عليها نشيد التوجيهات واحدة.
كان العنوان، بداية، أن اسرائيل هي المستفيد من غياب حكومة في لبنان، وفي المرحلة الثانية، صار الشعار المحرّك ضرورة تلبية مطالب ميشال عون (بلا الجنرال أو دولة الرئيس، نزولاً عند طلبه)، ثم جاءت كلمة السر في المرحلة الراهنة وهي الزعم بوجود خلاف سعودي – مصري، كَنهه أن الرياض تريد ولادة الحكومة برئاسة سعد الحريري، بينما القاهرة تسعى إلى عودة الرئيس فؤاد السنيورة إلى السرايا، مع الزعم بدور للسفيرة الأميركية و"وكلائها" في عرقلة مهمة الأول.
يرافق كل ذلك "التنغيم" على تدخل خارجي في إشارة إلى الدور السعودي، مع تناسي الدور السوري، الذي كان في الأصل الدافع إلى استنجاد اللبنانيين بمهدئات من الرياض لكبح شهية دمشق لنصرة الأقلية ضد الأكثرية بكل الوسائل، وكل أوجه التدخل.
الملاحظ في هذا المشهد، أن استنتاجات مصادر الأقلية المشيرة إلى استبعاد حرب اسرائيلية ضد لبنان، تواكبت مع التصريحات المعرقلة لولادة حكومة الرئيس المكلف، بينما كانت تسهّل، أو تزعم تسهيل ولادتها، حين كانت مقتنعة بأن الحرب تقرع الأبواب.
جديد الأقلية استعانتها بـ"صديق" عبر الحدود بعلنية تذكر بمثلها بعيد حرب تموز. فهي ترى تدخلاً في سعي السعودية الى تجنيب لبنان أزمة سياسية، وربما أكثر من سياسية، لكن لم يستوقفها تبني الاعلام السوري الرسمي لتهيؤاتها عن حصر المخارج أمام الرئيس المكلف بين قبول شروط عون، أو الاعتذار وترك مهمة التكليف. كما لم يثر استهجان "زعيم المسيحيين" فيها ما كتبته البعث عن البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير، واستغرابها دعوته إلى تشكيل حكومة من الأكثرية.
لكن بقدر ما تحاول الأقلية الإيحاء أنها تمسك بدفة الأمور، تكشف الوقائع ان الصورة مجتزأة من مشهد أوسع من لبنان وأبعد، يشمل التفجيرات في العراق، والحرب على الحوثيين في اليمن، وتعثر المصالحة الفلسطينية، واقتراب انتهاء الإنذار الدولي لإيران الذي يفتح الباب أمام عقوبات اقتصادية زاجرة وفاعلة.
وعلى رغم قصر الفترة الفاصلة عن النصف الثاني من أيلول، نهاية الإنذار الدولي، فإن حبل التجاذب السوري مع الرياض وواشنطن يبدو طويلاً ولم يقل الطرفان الآخران كلمتهما بعد، والزيارات الاقليمية – الدولية التي تتقاطع في أجواء المنطقة لم تعلن محاضر لقاءاتها، وربما لن تُعلن، وإن كانت ستفرج الايام عن نتائجها وتفتح للمنطقة آفاقاً جديدة.
يعيش لبنان ومحيطه لحظة ولادة عالم جديد، تبنيه الوقائع وليس التصريحات، وتحدده المصالح وليس الاشتهاء السياسي. وما يلمح بعيني البعض في أفق الأزمات ليس دائماً ذهب النصر الذي يُنتظر. وكما الرصاص الخلبي الفارغ مما يقتل، هناك بريق بغير ذهب يسمى السراب.