صفير يحاول تثبيت أسس نظام في طور الإنزلاق
الشرذمة تضع الأطراف المسيحيين في واجهة الصراع
يحاول البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير جاهدا تثبيت اسس النظام الديموقراطي الذي تم التوافق عليه في اتفاق الطائف، على قاعدة ان النظام السياسي في لبنان هو نظام برلماني ديموقراطي مثل كل الديموقراطيات او الانظمة التي تترجم عمليا دساتيرها على هذا الصعيد. لذلك يصر البطريرك على نحو متشدد على ان تتألف حكومة من الغالبية النيابية التي فازت في الانتخابات لادراكه على نحو عميق مقولة ان العربة التي يجرها حصانان في اتجاهين معاكسين تراوح مكانها ولا يمكن ان تتقدم.
ويروي احد زوار البطريرك انه بعدما تحدث معه طويلا عن التعقيدات التي يواجهها تأليف الحكومة واصرار الرئيس المكلف سعد الحريري على حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع، لم يتوان البطريرك بعد اللقاء عن اعلان تمسكه بتأليف حكومة وفق معايير الديموقراطية المرتكزة على حكم الاكثرية ومعارضة الاقلية. وما يقوله البطريرك واقع لا يمكن انكاره او تجاهله ما دام لبنان شهد الترجمة العملية لذلك من خلال ما عرف بالثلث المعطل بعد اتفاق الدوحة، وما تتجه الحكومة العتيدة الى اعتماده متى تجاوزت الشروط التعجيزية التي تمنع تأليفها حتى اليوم.
ولا يلام البطريرك الماروني على ذلك، في رأي مصادر سياسية، فمن شب على شيء شاب عليه، والبطريرك جاهد من اجل ثوابت ومبادئ بعضها تحقق وبعضها الآخر في طريق الاندثار. ومن بين ذلك النظام اللبناني الحالي الذي لم يعد يشبه واقعيا لا التركيبة اللبنانية ولا الواقع اللبناني. بل ان هذا النظام بات ينزلق الى شيء لا يمكن تبين معالمه النهائية من اليوم بعدما اظهرت التطورات في الاعوام الاخيرة ان لبنان الذي نجح في اخراج القوات العسكرية السورية من أراضيه مستعيدا سيادته واستقلاله وقراره الحر عاد ساحة صراعات سياسية وغير سياسية في مرحلة من المراحل، وهذه تساهم في تغيير صورة لبنان التي عرفها وارادها البطريرك ومعه كثيرون من الذين استشهدوا من اجل ذلك. وبعدما شهد هذا النظام تغييرا جوهريا يتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، باتت صلاحيات رئيس الحكومة بدورها على المحك. وما يجري من محاولة لفرض تسمية الوزراء من دون قدرة رئيسي الجمهورية والحكومة على الاعتراض او الرفض، هو تغيير بقوة الامر الواقع والتعطيل القسري الذي يؤدي الى أمر آخر يختلف عن النظام الذي لا يزال البطريرك يناضل من اجل اعادته. والانزلاق يحصل في اتجاه فيديرالية طوائف على طريقة "اللويا جيرغا" الافغانية التي ستجد طريقها على الارجح كتعبير معتمد سياسيا وعملانياً، الى درجة ان احدا لا يرى ضرورة للاعتراض على التسمية التي باتت مألوفة في وسائل الاعلام وعلى ألسنة بعض السياسيين، كما لا يرى احد ضرورة للاعتراض على كلمة فيديرالية الطوائف بعدما كان هذا التعبير وحده سببا او عذرا لجولات عسكرية ايام الحرب الاهلية.
وهناك جانب آخر يتصل بمواقف البطريرك الماروني من جهة، ومنتقديه من الموارنة من جهة اخرى الذين مهدوا ولا يزالون يمهدون السبل امام مهاجمة البطريرك من خارج ومن طوائف اخرى، على نحو يعكس التجاذب لا بل التمزق الذي تعيشه هذه الطائفة لأسباب وطموحات شخصية وضيق افق ورؤية بعيدي المدى. ففي حين لا يزال البطريرك يؤمن بأن رئاسة الجمهورية هي الموقع الضامن والمعبّر عن المسيحيين الذين مزقتهم وهجّرتهم الحروب على لبنان، كما الحروب بين ابناء الطائفة نفسها ينحو آخرون الى افراغ الرئاسة من مضمونها. وهذا احد ابرز وجوه الخلافات ومظاهرها، الى جانب ظواهر الانقسام العمودي القائم منذ ما قبل الانتخابات النيابية والمستمر ما بعدها. وقد كانت ردود الفعل على استدارة النائب وليد جنبلاط وموقفه الاخير بمثابة اعتراض على محاولة تغيير او تبديد هذا الانقسام في المرحلة الراهنة ومن كل الاتجاهات، بحيث انه ليس مسموحا ولا متاحا راهنا التبديل فيه حتى اشعار آخر، بصرف النظر عن التوقيت والاسلوب اللذين لم يوافق كثيرون النائب جنبلاط فيهما، ومن هذه الزاوية فان ما يتجه اليه البطريرك ايضا في تأكيده تأليف حكومة للاكثرية فيها الرأي الراجح يستدرج ردودا من المعارضة ومن داعميها الاقليميين، لان هذا الاتجاه يمنع تكريس الانزلاق السياسي في النظام السياسي الذي حصل حتى اليوم.
في هذا الاطار يشغل الوضع المسيحي المشرذم حيّزاً كبيراً من الاحاديث السياسية بعيدا من الاعلام تماما كما يشغل الوضع الحكومي الاهتمام، علماً ان الاخير لا يبدو مهما كالوضع المسيحي. اذ ان بلدانا عدة مماثلة في تركيبتها السياسية المعقدة تشهد ازمات حكومية كبيرة على غرار بلجيكا التي عاشت ازمة حكومية حادة العام الماضي، او حتى اسرائيل ايضا التي اضطرت الى ائتلاف حكومي مرتبك ومربك في وقت واحد. في حين ان الافرقاء المسيحيين هم مجددا في واجهة الصراع بما فيه الصراع الداخلي القائم على تأليف الحكومة وكذلك بالنسبة الى الصراع الخارجي، ولكن الطائفة ككل ليست في موقع التأثير مجدداً او الثقل لترجيح كفة القرار ولا كذلك اي من مكوناتها. ولو تعمّق المسؤولون المسيحيون في ما يفكر فيه مناصروهم للاحظوا مخاوف كبرى من هذا الانزلاق الذي يستشعره الجميع في شكل او في آخر على نحو لا يوحي الاطمئنان بل هو يوحي الاضطراب والخوف ايضا.