تعطّل المؤسسات انعكاس لما هو أكثر استعصاء
مشكلة حكومية صغرى.. وأخرى كيانية كبرى
إذا تشكّلت الحكومة في الآتي من أيّام أو تأخّر تشكيلها فالثابت هو إستمرار المرض العضال الذي تتعايش معه البلاد، والذي ما كان التنبّه لأبعاده بالمستوى المطلوب إلى حين إنقضاء زمن الوصاية، وما زلنا منذ أربع سنوات نحاول تشخيص هذا المرض دون ابتكار أي علاج مناسب لإستعصائه، أو حتى لوقف استفحاله.
عشية لحظة نيل الإستقلال الثاني كان ثمّة من يمنّي النفس بأنّ معافاة الجسد اللبنانيّ ستتأمّن ولو بشكل تدريجيّ، وحتى عندما انشطر اللبنانيّون بين 8 و14 آذار كان ثمّة من يطمئن نفسه والآخرين بأنّ هذه الإنشطار من عوارض الإنسحاب السوريّ وأنّ الناس، في الساحتين، تتنفّس الصعداء من أفول الوصاية، ولن تتأخر حتى يلتئم شملها في عقد جديد أو في تقاسم نافع وواقعيّ للحصص والمسؤوليات.
حتى إذا تحقّق الجلاء السوريّ بانَ العكسُ تماماً، فما برز على السطح في إثره، كمشكلة عويصة، بل مستعصية، بل مستفحلة، برهن يوماً بعد يوم، على أنّه يعبّر عن تناقض داخليّ غير مسبوق في تاريخ الكيان اللبنانيّ، وأنّ مستوى التوتّر العالي لهذا التناقض الداخليّ وهو ما تمنعه من أن يبلغ خواتيمه المطيحة بالتجربة الكيانيّة اللبنانيّة، الأمر الذي يبقي هذا التناقض الداخليّ عند مستوى تغلّب فئة على سواها وتمتّعها بهذا التغلّب وبين تعطيل عمل مؤسسات الدولة أو حتى تعطيل قيامها لغير سبب وذريعة.
كيف حدث إذاً أنّ أحداً لم يبصر المرض العضال في سنوات السعي وراء تحقيق السيادة والحرية والاستقلال (2000-2005)، أو بمعنى آخر، لم يجر إرفاق هذا السعي الإستقلاليّ بأيّ مقاربة منهجيّة لطبيعة المرض العضال الذي إن زالت الوصاية استشرى في أنحاء الجسد اللبنانيّ واستشرس؟
نخال أنّ هذا السؤال يسند اليوم كل الأسئلة الأساسيّة التي ينبغي طرحها، في إطار الحراك الإستقلاليّ اللبنانيّ. فهل عانى هذا الحراك من "خطأ أصليّ" عندما نادى بالإستقلال ولم يزوّد نفسه بعدّة كافية لمعالجة تحدّيات ما بعده؟ هل كان الحراك الإستقلاليّ أسير مقاربة محض "تجريبية" قصيرة النظر بحيث لم يعن بهذا التناقض الداخليّ، الجوهريّ، الذي أظهرت السنوات الماضية، خطورته على الكيان اللبنانيّ، وموقعه المتقدّم على خارطة الفتنة المذهبية الإقليميّة؟
أم كان الحراك الإستقلاليّ، على العكس من ذلك، ضحيّة مقاربة قائمة على المغالاة في "طول النظر" بحيث أنّه كان يمهّد، عندما تحقّق الجلاء لمعالجة مضنية للمرض العضال ولسنوات مريرة؟
يتحوّل السؤال إذاً إلى التالي: هل نحن اليوم، ورغم كل شيء، في لحظة من لحظات المعالجة المضنية للمرض العضال الذي يحول دون الإستقرار ويعلّق المنفعة المفترضة من استرجاع الإستقلال ومن إنتعاشة الديموقراطية لا سيما بعد الإنتخابات الأخيرة؟ أم أنّنا في المقابل، في لحظة من لحظات تمادي المرض العضال في الجسم اللبناني كما عهدناه بحيث ينبغي إعادة تركيب هذا الجسم ما دام علاج المرض مستعصياً ومستحيلاً؟
ليست ملامة الحركة الإستقلاليّة لأنّها لم تشخّص هذا المرض قبل الأوان. فكما في لبنان، كما في جيورجيا كما في أوكرانيا، كانت الحركات الجماهيرية المدنية الديموقراطية على موعد مع "مرض عضال" ينتظرها في إثر الإنتصار التاريخي الذي تحققه، ولم يكن أحد في هذه البلدان ليقدّر مسبقاً أبعاد المرض العضال.
لكن المطروح على جدول أعمال الحراك الإستقلالي اللبنانيّ كما الحراكين الإستقلالي والديموقراطي الجيورجيّ والأوكرانيّ هو واحد: تقدير ما إذا كان ممكناً الإستعداد لمرحلة طويلة من التعايش مع "المرض العضال" على الصعيد الوطنيّ، ما دام الغرب يدخل، ومنذ إنتخاب باراك أوباما رئيساً، في مرحلة تعايش مع "المرض العضال" على الصعيد العالمي.
في الواقع، لا تملك بلدان موجة التوسّع الديموقراطيّ الأخيرة نحو الشرق سوى التحايل على نفسها تحت مسمّى "التعايش مع المرض العضال" أو غير ذلك من الأسماء التلطيفيّة للمشكلة، وهذا التحايل سواء طال يوماً أو شهراً أو سنة يظلّ موقتاً لأنّه لا يمكن للغرب أولاً أن يظلّ في مرحلة تعايشه هو مع ما يبرز في موازاته كـ"مرض عضال" على الصعيد العالميّ، ولأنّ "المرض العضال" نفسه غير راغب في أن يحاصره أحد.. بداعي "التعايش معه"، بل يتعامل مع كلّ دعوة، ولو صادقة أو حتى "انهزامية"، للتعايش، على أنّها مؤامرة لمحاصرته، وللغدر به.