عندما تصبح الأزمة عند البعض هي الحلّ
يعتقد الكثيرون أنّ تحوّل عملية تشكيل الحكومة الى أزمة تأليف قد أصبح يشكّل حلا"، ولو مرحليا"، لمعظم اللاعبين المحليين والاقليميين في ظل توازن القوى الحالي الداخلي الذي تحكمه أكثرية شعبية أنتجتها صناديق 07 حزيران مقابل قوة أمر واقع تستند الى كارثية انقلاب 07 ايار 2008 ومشهدية الاعتصامات وقطع الطرق عند كل استحقاق، يقابل ذلك توازن قوى اقليمي يرتكز الى جو تهدئة سعودي- سوري، ومهلة معطاة من المجتمع الدولي ولا سيما الولايات المتحدة الاميركية لايران حتى نهاية شهر ايلول لاعطاء الأجوبة حول برنامجها النووي.
ففي ظل توازن القوى هذا يبدو أنّ المنطقة قد دخلت في ما يشبه الستاتيكو المؤقت وقد أصبح الجميع، وخصوصا الأفرقاء الداخليين، كلّ ينتظر حدوث أمر ما يعيد خلط الأوضاع فيعزز موقع هذا الفريق على حساب الآخر. نعم، فمع الأسف هذا ما يبدو حاصلا حاليا.
ففي ظلّ تحوّل تشكيل الحكومات في لبنان الى ما يشبه عملية توزيع جوائز ترضية، ومكانا لامتصاص الخلافات داخل كل تيار وداخل كل حزب أو فريق، هذا عدا كونها عملية محاصصة بعيدة كل البعد عن معايير الكفاءة والجدارة، في ظلّ هذا كله نتساءل وبكلّ جرأة هل أصبح التأخير في التشكيل يريح الأفرقاء كونه يؤجل الاستحقاق خصوصا انه لا يمكن لحكومة مهما كبر عدد وزرائها من حلّ مشكلة التمثيل المنشود من كل فريق. وبناء عليه فٳن الادعاء أو الاصرار من قبل رؤساء الكتل وزعماء التيارات المختلفة على الحصول على حصة معينة من الوزراء مع نوعية حقائب معينة يبقى أهون وأربح من الوصول الى ساعة الحقيقة وتقلّص الحصة الموعودة.
واذا اعتبر البعض ان هذه مسألة طبيعية في بلد كلبنان غني بالتعددية الدينية والسياسية والثقافية والفكرية، فنحن ندحض هذا القول لأنّ ذلك يعني بكلّ بساطة أنّ كل استحقاق تشكيل حكومة في المستقبل سيكون أكثر صعوبة من سابقه. ولا حلّ لهذا الموضوع الاّ بتبسيط الأمور والعودة الى المنطق العادي المبسّط.
فعندما تجري انتخابات وتنتج أكثرية معينة فهذه الأكثرية هي مخولة استلام السلطة وممارسة رؤيتها وبرنامحها للحكم. ولأنّ لبنان تحكمه توازنات طائفية لا يجوز تغييبها، كانت فكرة حكومات الوحدة الوطنية التي تتمثل فيها كافة العائلات الدينية الموجودة في البلد، وهنا يجب أن تنتهي القصة وهنا تحديدا بيت القصيد . فرئيس الجمهورية المؤتمن على الدستور ومعه الرئيس المكلف عليهما أن يراعيا صحة مشاركة الجميع في هذه الحكومة التوافقية وما عدا ذلك فعلى الرئيس المكلف مدعوما من الأكثرية النيابية طرح تشكيلة حكومية تتضمن فريق عمل متجانس يستطيع أن يكون منتجا وذلك دون الاخلال بالمعادلة التي تكلمنا عنها سابقا.
أما بالنسبة للعوامل الخارجية، فلا الوعد السوري بعدم عرقلة تأليف الحكومة سهّل مهمة الرئيس المكلف، ولا الدعم العربي والدولي لمهمته جعلته يمشي قدما في اظهار تشكيلته.
هذا العرض المؤسف لما وصل اليه الوضع اللبناني الداخلي لا يعني في أيّ حالة من الأحوال دعوة الى التشاؤم، بل على العكس هو دعوة لكل القيمين على ملف تشكيل الحكومة وخصوصا رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف الى التنبّه لهذه النقطة والعمل سريعا للخروج من هذه الدوامة.
فطالما الاتفاق السياسي قد حصل على الصيغة الحكومية وتبقى أسماء الوزراء والحقائب، فليقدم الرئيس المكلّف، خاصة وأنّه أصبح يعرف رأي كل الأحزاب والكتل، على تقديم تشكيلة حكومية يراها هو منسجمة وتراعي الاستشارات التي كان قد أجراها، الى رئيس الجمهورية فيصدرها رئيس الجمهورية فتمثل أمام مجلس النواب لنيل الثقة، وعندها فليتحمل الجميع مسؤولياتهم أمام الشعب اللبناني.