ليست أزمة تشكيل حكومة بل أزمة "نظام حكم" يراد فرضه بالقوة!
تبدو الأزمة الحالية في ظاهرها أزمة تشكيل حكومة، لكنها في حقيقتها أبعد من ذلك بكثير. هي أزمة "نظام حكم" ظن البعض أنه أقامه من خلال "اتفاق الدوحة" الذي لجأ اليه اللبنانيون (ومعهم العرب) للخروج من وضع استثنائي، بل وشاذ بكل معنى الكلمة… هذا الوضع الذي نتج عن خطيئة 7 أيار العام 2008، وأدى الى ما أدى اليه من انهيارات ليس على مستوى الحكم والسلطة فقط وانما على مستوى وحدة البلد ونسيجه الاجتماعي أيضا.
بعض هذا البعض يرى في "اتفاق الدوحة"، برغم أنه كان اتفاقا استثنائيا وظرفيا وموقتا، بديلا لـ"اتفاق الطائف" (دستور البلاد)، فيما ينظر اليه البعض الآخر من زاوية أنه بات "عرفا لا يجوز تخطيه" ان في الحكم او حتى في تشكيل الحكومات. ولعله من هنا، كان كلام هذا البعض من قبل اجراء الانتخابات على اعتبار " اتفاق الدوحة " اتفاقا لكل زمان ومكان، وعلى استعداده، في حال فوزه بالأكثرية النيابية، لاعطاء "الثلث المعطل" للأقلية المفترضة ومشاركتها الحكم على هذا الأساس. ومن هنا كذلك، كان الكلام وما يزال للآن تارة على ما يوصف بـ"الوديعة" لدى رئيس الجمهورية، وأخرى على "الثلث المعطل" المموه في صيغة الـ 15×10×5 التي اتفق عليها، وثالثة على "حق" كل طرف بتسمية وزرائه في الحكومة واختيار الحقائب التي يريد لهم أن يتولوها!.
وفي الواقع، فلم يتغير شيئ لدى هذا البعض برغم "المصالحات" الشكلية التي تمت على مدى عام كامل حتى الآن، وكذلك أجواء "التهدئة" التي حرص الجميع على اشاعتها بعد انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وتشكيل "حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، وحتى بعد الانتخابات النيابية والنتائج التي أسفرت عنها لجهة الأكثرية والأقلية في مجلس النواب. بقي "اتفاق الدوحة"، بما هو في نظر هذا البعض أشبه بـ"عرف" دستوري لا تراجع عنه، هو قاعدة "نظام الحك " الجديد هذا الذي يرونه احدى نتائج 7 أيار.
من هذا المنطلق، وبرغم كل ما يقال غير ذلك، ينبغي النظر الى الأزمة التي تفتعل الآن في وجه الرئيس المكلف سعد الحريري في تشكيل الحكومة العتيدة.
ذلك أن التفسير الوحيد لما يوصف بـ"توزيع الأدوار" بين أطراف الأقلية، فيبدي بعضها تساهلا بينما يتعنت بعضها الآخر، أو "ترك الحرية" لكل منها في أن يأخذ ما يريد من ضمن الحلف الواحد، في الوقت الذي تقول جميعها أنها تدخل الحكومة معا أولا تدخلها معا، هو أنها لا تنظر الى السلطة في لبنان فضلا عن مستقبل البلد كله الا من زاوية ما اعتبرته يوماً مجيداً من ناحية وما رأت أنه تجسيد سياسي له في "اتفاق الدوحة" لجهة تقاسم الحكم والحكومة بين الأكثرية والأقلية ورئاسة الجمهورية من ناحية ثانية.
في الظاهر، هو "توزيع أدوار" بين أطراف الأقلية، وحتى " توزيع اتهامات " بأن جهات اقليمية ودولية تقف وراء أزمة تشكيل الحكومة، لكنه في الحقيقة يبدأ وينتهي عند ابقاء البلد في أتون الجريمة التي شهدها اللبنانيون في ذلك اليوم المشؤوم. وما قيل يومها عن توازن قوى" جديد، وعن "مرحلة انتهت ولن تعود"، لا يفعل الا أنه يؤكد هذا الواقع السياسي على الأرض الآن.
أكثر من ذلك، فهو يحاول أن يجير التغيرات الاقليمية والدولية في المنطقة، وتجاه مشكلاتها الكبرى، لمصلحته المحلية في لبنان ولمصلحة حلفائه في الاقليم. وفي ما يتعلق بالحكومة العتيدة تحديدا، فمشاركته بقوة فيها وتحت شروطه انما تعني، من وجهة نظره، أن "نصراً" جديدا قد تحقق للأطراف كلها سواء على مستوى لبنان أو على مستوى الاقليم… من ايران الى سوريا الى فلسطين.
وفي الطريق، يكون قد نسف عمليا وليس لفظيا فقط عندما خرج بنظرية "الأكثرية الشعبية" في مقابل "الأكثرية النيابية" نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وأعاد البلد الى النقطة التي يريد له أن يبقى فيها.. اما قبل 7 أيار، وما فيه من استقالات واعتصامات وتعطيل للحكم والمؤسسات الدستورية، أو بعد 7 أيار وما أدى اليه من " اتفاق " في الدوحة يعمل على أن يفرضه "نظام حكم" جديدا للبلد.
ما سبق هو أساس العقبات التي توضع في طريق تشكيل الحكومة، وليس أي شيء آخر بما في ذلك ما يقوله البعض عن " تدخلات عربية ودولية " تؤثر سلبا، وما يقوله البعض الآخر عن " تسهيلات " قدمها ويقدمها للرئيس المكلف بالمنحى الايجابي.
لكن الأخطر من ذلك، أن ما وراء الأكمة (يلمح اليه اعلام الأقلية من حين الى آخر ) هو أن عرفا وتقليدا جديدين في الحكم، وفي تشكيل الحكومات، قد تأسسا في "اتفاق الدوحة" وأن لا عودة عنهما لا الآن ولا في المستقبل… أيا كان رئيس الجمهورية وأيا كان الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة، وأيا كانت، بشكل خاص، نتائج أية انتخابات نيابية تجري في البلد، وعلى أساس أي قانون انتخابي.
وبهذين العرف والتقليد، لا حكومة بعد الآن الا الحكومة التي توصف بأنها "حكومة وحدة وطنية"،
ولا "حكومة وحدة وطنية" من دون "ثلث معطل"، سواء جاء في صيغة مموهة أو تحت وصف أنه " وديعة " أو " ودائع " لدى رئيس الجمهورية،
ولا "حكومة" أو "ثلث معطل" أو "وديعة" من دون قيام كل طرف باختيار ممثليه في الحكومة وتحديد الحقائب التي يتولونها،
ولا "حكومة" من دون هذه المواصفات، بغض النظر عن رأي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف المولجين دستوريا بهذه المهمة، وحتى عن مواقف النواب انطلاقا من الاستشارات النيابية الملزمة،
وتاليا، لا معارضة في مجلس النواب ولا مراقبة أو محاسبة. تكون "المعارضة" داخل الحكومة التي تضع البلد على الرف عندما لا تتفق ( من "الديموقراطية التوافقية") على تقاسم الحصص فيه، أو في الشارع يتم تحريكه عند اللزوم،
… وعفا الله عن لبنان الذي كان !!.