#adsense

لبنان يواجه أزمات مفتوحة عند انتخاب الرؤساء وتشكيل الحكومات

حجم الخط

ما دام السلاح خارج الشرعية والنظام التوافقي معتمداً
لبنان يواجه أزمات مفتوحة عند انتخاب الرؤساء وتشكيل الحكومات

لماذا يكرر البطريرك الكاردينال صفير المطالبة بالعودة الى النظام الديموقراطي بحيث تحكم الاكثرية والاقلية تعارض، ولماذا حمّل من يعرقل تشكيل الحكومة المسؤولية امام الله والناس والتاريخ؟
لقد سبق لسيد بكركي ان ابدى قبل الانتخابات قلقه حيال تجدد الجدال حول نوعية الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات، خصوصا عند اصرار المعارضة على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية شبيهة بحكومة الرئيس السنيورة التي لم تكن تجربتها مشجعة، وتساءل عما يمكن ان يحل بالبلاد اذا لم يتم الاتفاق على تشكيلها. فما حصل خلال السنة الاولى من عهد الرئيس سليمان لم يكن في رأيه حالة مثالية في العمل السياسي وان استمرارها سيؤثر على انطلاقة العهد في كل المجالات، وابدى تخوفه من ان تواجه عملية التشكيل ما واجهته ولادة حكومة الرئيس السنيورة، عندما انتهت بتسوية في الدوحة، ولم يثبت تطور الاحداث انها كانت مثالية بنتائجها.

تجيب اوساط سياسية على اسباب مواقف البطريرك صفير بالآتي:
ان ابدال النظام الديموقراطي بنظام آخر يسمى النظام الديموقراطي التوافقي، وهو غير مكتوب ولم يعمل به الا كتسوية موقتة، اثبتت الممارسة انه نظام معطل لسير عجلة الدولة، اذ لا مجال للاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية ولا للاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية ولا حتى على قانون للانتخابات الا بعد تدخل خارجي وهو ما حصل في مؤتمر الدوحة. واذا تم التوصل الى تشكيل هذه الحكومة فان التوافق على اقرار المواضيع والمشاريع المهمة منها والعادية قد يكون متعذرا فتتحول عندئذ الى حكومة تصريف اعمال وهو ما حصل لحكومتي الرئيس السنيورة السابقة والحالية، فلو ان النظام الديموقراطي التوافقي كان معمولا به منذ ان نال لبنان استقلاله الى اليوم لما صار توافق على انتخاب اي من رؤساء الجمهورية ولا صار انتخاب سليمان فرنجيه بصوت واحد، بل كان انتخابهم شهد ما شهده انتخاب العماد ميشال سليمان وهو انتخاب لم يتم التوصل اليه الا بعد ازمة استمرت ستة اشهر ولا امكن تشكيل حكومات من الاكثرية النيابية تحت اي تسمية، والاقلية تعارضها، بل كانت حكومات الوحدة الوطنية المفروض تأليفها باسم سياسة التوافق تدخل البلاد في ازمات مفتوحة كما حصل لحكومة الرئيس السنيورة عندما تعذر الاتفاق على جعلها حكومة وحدة وطنية فاستمرت ازمة التشكيل اكثر من سنة الى ان فرضت احداث 7 ايار على الجميع التوافق على تشكيلها في مؤتمر الدوحة… وها ان ازمة التشكيل تتكرر الآن مع الرئيس المكلف سعد الحريري ولا احد يعرف مدتها.

الواقع ان التوافق بمعناه الصحيح قد تم بالاتفاق على توزيع السلطات الثلاث على الطوائف الكبرى، فاعطيت رئاسة الجمهورية للموارنة ورئاسة المجلس للشيعة ورئاسة الحكومة للسنة بعدما كانت هذه السلطات في زمن الانتداب الفرنسي على لبنان غير مكرسة لطائفة معينة. وتم التوافق ايضا على تحديد وظائف كبرى في الدولة لكل طائفة من الطوائف، وكانت حصة الطوائف المسيحية وتحديدا الطائفة المارونية هي الحصة الكبرى اذ كانت لها قيادة الجيش وقيادة الدرك وقيادة الشرطة والنيابة العامة في القضاء فضلا عن عدد من المديريات المهمة، ولم يكن معنى التوافق ان يتم انتخاب رئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس الحكومة بالتوافق بين الاكثرية الموالية والاقلية المعارضة، فلو ان هذه السياسة اعتمدت في الماضي كما هو مطلوب اعتمادها اليوم لما امكن التوصل الى اتفاق على انتخاب احد الا بعد ان تواجه البلاد ازمات مفتوحة، ولو ان هذه السياسة طبقت في انتخاب رئيس مجلس النواب كما طلب تطبيقها على انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، لما كان تم التوصل الى انتخاب نبيه بري رئيسا للمجلس ولشهد انتخابه ازمة كالتي شهدها انتخاب رئيس الجمهورية وما يشهده حاليا تشكيل حكومة وحدة وطنية من اكثرية واقلية لا وحدة تجمع بينهما سوى الكراسي وشهوة البعض للاستيزار حتى من دون اتفاق مسبق على برنامج عمل يحسن مستوى معيشة الشعب، ويحقق للبلاد المشاريع العمرانية والانمائية. وسخرت الاوساط نفسها من قول عون ان مجلس الامن يعمل بالتوافق وكأنه يجهل ان لكل مؤسسة او دولة نظامها ودستورها.

اما السبب الآخر الذي يحول دون تطبيق النظام الديموقراطي كما في الماضي، ويفرض تطبيق النظام التوافقي، فهو وجود السلاح في يد فئة لبنانية من دون فئة اخرى، وان الخوف من استخدام هذا السلاح في الداخل خصوصا بعدما تأكد ذلك في 7 ايار، هو الذي حال دون انهاء ولاية الرئيس اميل لحود الممددة ودون انتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائد واحد ودون تشكيل حكومة من الاكثرية وحتى دون اتخاذ قرارات في مجلس الوزراء بالاكثرية المطلوبة عادية كانت او مطلقة ولا بغالبية الثلثين ايضا لئلا تواجه بما واجهته القرارات المتعلقة بنقل رئيس امن مطار بيروت ووقف العمل بشبكة الاتصالات العائدة لـ"حزب الله".

ولولا وجود السلاح في يد فئة من دون اخرى لما استمر الاعتصام في وسط بيروت اكثر من سنة فتعطلت مصالح الناس بل كانت قوات السلطة تدخلت على الفور وازالت خيم الاعتصام، لكنها تجنبت التدخل خوفا من حصول اصطدام بينها وبين الفئة اللبنانية المسلحة يسقط فيه قتلى وجرحى ففضلت ان تتحمل البلاد خسائر مادية جسيمة على تحمل خسائر بشرية.

لذلك فان وجود سلاح في يد فئة لبنانية من دون فئة اخرى هو الذي يحدث خللا في التوازن الداخلي ويجعل هذه الفئة وان اقلية لكنها مسلحة اقوى من الاكثرية غير المسلحة، وان وجود هذا السلاح الفئوي والمذهبي هو الذي حال دون انتخاب رئيس للجمهورية بالاكثرية المطلوبة، ويحول الآن دون تشكيل حكومة من الاكثرية لئلا تواجه بالسلاح وبنزول الى الشارع فتسود الفوضى العارمة وتقع الفتنة، فيما المواجهة في الماضي وفي ظل النظام الديموقراطي بين الموالاة والمعارضة كانت مواجهة سلمية تحتكم الى الناس بدعوتهم الى الاضراب العام المحدود حينا، والمفتوح حينا آخر. فمن يملك الشعبية الواسعة ينجح في دعوته الى الاضراب فيجعله شاملا ومن لا يملكها لا يستطيع تحقيق اهدافه. ولم يكن السلاح هو الذي يحسم الصراع بين الموالاة والمعارضة كما هي الحال اليوم انما العودة الى الشعب بمهرجانات ومسيرات واعتصامات واضرابات سلمية وتلك كانت كافية لاسقاط حكومة واطاحة عهد كما حصل للرئيس الشيخ بشارة الخوري الذي اطيح بثورة بيضاء وليس ثورة حمراء. فهل يعود لبنان الى ممارسة الديموقراطية الصحيحة ليصل الشعب الى حقوقه بحيث تحكم الاكثرية والاقلية تعارض، ولا تظل الاقلية المسلحة هي التي تتحكم باي اكثرية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل