#adsense

البطريرك ضميرُ الحركة الاستقلالية و”مُوتورها”

حجم الخط

الحملةُ السورية عليه لأنه يذكّر بوجود أكثرية ويتمسّك بالميثاق والدستور ويحمي رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف
البطريرك ضميرُ الحركة الاستقلالية و"مُوتورها"

لم يملّ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من تكرار الموقف نفسه بالمفردات نفسها: لا يمكن أن تقوم قيامةٌ لحكومة كعربة يجرّها حصانان واحد إلى الأمام وثانٍ إلى الخلف، وعلى الأكثرية أن تحكم وعلى الأقلية أن تعارض. وهو، منذ إنطلاقة مشاورات تأليف حكومة ما بعد الإنتخابات، يدعو إلى تشكيل "حكومة أكثرية".
أعلن البطريرك موقفه هذا بعد "إتفاق الدوحة" في أيار 2008 إعتراضاً عليه وعلى بدعة "الثلث المعطّل". وكرّر ذلك بعد إنتخابات 7 حزيران 2009 التي أفرزت أكثرية وأقلية واضحتَين.

الدعوة المكرّرة إلى "حكومة أكثرية"

أغضب موقفُ رأس الكنيسة الجنرال ميشال عون مرات عدة. فردّ الجنرال على البطريرك مستعيناً بطروحات تنسف النظام السياسي بإسم "الديموقراطية التوافقية". غير أن اللافت في الأيام القليلة الماضية كان الحملة الإعلامية ـ السياسية السورية على سيّد بكركي التي اعتبرت موقفه سبباً رئيسياً من أسباب تعقّد تشكيل الحكومة وتعثّره.
إن هذه الحملة السورية ليست تذكيراً بـ"التدخّل" السوري في الشؤون اللبنانية وحسب، لكنها تعبيرٌ عن "ضيق" من كلام البطريرك.

يذكّر بالأكثرية.. ويذكّرونه بدوره فيها

ذلك أنه بصرف النظر عن إمكان تنفيذ ما يدعو إليه تشكيلاً لـ"حكومة أكثرية" أو عدمه في ظلّ المعادلات اللبنانية وتلك المحيطة بلبنان، فإن ما يفعله البطريرك بتكرار موقفه ودعوته، إنما هو تذكير "مستمرّ" بأن في البلد أكثريةً نيابية ـ سياسية ـ شعبية. وهذا يغيظُ فعلاً، فكيف إذا كان فريق 8 آذار بتكوينه المحلّي وبارتباطاته الإقليمية، يعتبر أن البطريرك مسؤولٌ في جانب مهم عن تجدّد هذه الأكثرية في 7 حزيران الماضي؟ وهل يستطيع أي لبناني أن ينسى الحملة التي تناوب 8 آذار المحلّي والإقليمي عليها ضد البطريرك لأنه عبّر عشية الإنتخابات عن قناعة وطنية بأن مصير الكيان على محكّ تصويت اللبنانيين؟ أي هل في وسع أحد أن ينسى أن 8 آذار المحلّي والإقليمي حمّل البطريرك مسؤولية النتائج، في الدوائر المسيحية خصوصاً؟

إذاً، ثمة إنزعاج سوري من تذكير رأس الكنيسة بوجود أكثرية في "مكان" محدّد. بل أكثر من ذلك، ثمة إنزعاجٌ من حقيقة أن البطريرك ينطق بموقفه المشار إليه بإسم الرأي العام الإستقلالي، ومن حقيقة أن البطريرك يمثّل ضمير الحركة الإستقلالية اللبنانية.

الحملة السورية على "الضمير"

هذا بـ"الجملة". أي أن صفير بـ"الجملة" هو ضمير الحركة الإستقلالية. وهو ضميرُها منذ زمن بعيد، منذ أن تصدّر المعركة ضد الوصاية السورية ونظامها الأمني. وبهذا المعنى، فإن الحملة السورية عليه هي حملةُ تصفية حساب لم تتوقّف منذ أجبرت الوصاية على الانسحاب من ناحية وهي حملةُ "ردع" للبطريرك عن المثابرة على دور الضمير بأفق مستقبلي من ناحية أخرى.

سقف الرئيسَين

على أن ما "يفسّر" الحملة السورية، بالإضافة إلى كل ما سبق، هو أن موقف البطريرك المتضمّن دعوته إلى تشكيل "حكومة أكثرية" ـ حتى لو كان هذا الأمر غير قابل للتطبيق الآن ـ إنما ينتسبُ إلى الميثاق والدستور. ولأنه كذلك، فهو إذ يحمي الميثاق والدستور، يحمي في الوقت نفسه رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف بوصفهما صاحبَي الصلاحية الدستورية في تشكيل الحكومة. أي أن موقفه يرفع سقف الرئيسَين ويحميه ويمكنه في لحظة معيّنة أن يصبح ضاغطاً، بالضبط لأنه يعبّر عن أكثرية الرأي العام اللبناني.. عن الأكثرية الشعبية في الحركة الإستقلالية، ولأنه حالياً الجسر "الوحيد" بين "الناس" و"الإجتماع السياسي".

يصدّ "الدوحة2" و"الطائف2"

وفي السياق نفسه، لا مفرّ من ملاحظة أن الحملة السورية، التي "وزّعت" سُعارها في أكثر من إتجاه بالإضافة إلى البطريرك، "مبشّرة" بأزمة حكومية ستطول لتتحوّل إلى "أزمة نظام"، إنما فضحت نفسها بنفسها. فقد توصّلت الحملةُ إلى مجموعةٍ من الاستنتاجات من بينها أن الأزمة إن استمرت في حدود "أزمة حكومية" سيلزمُها "دوحة2"، لكنها إن غدت "أزمة نظام" سيلزمُها "طائف2"(!).

قد تكون رغبةُ النظام السوري جامحة جداً لإنعقاد "دمشق1" ـ أيُّ "دمشق1" ـ وهو لم يخفِ هذه الرغبة الجامحة منذ أن تحدّث بأشكال عدة وبـ"وسائط" شتى عن أن ممرّ تشكيل الحكومة هو سوريا. بيدَ أن الحملة السورية تعزف على وتر خطير هو وترُ تغيير الميثاق والنظام السياسي. وهنا يقفُ سيّد بكركي في "الواجهة" وموقفهُ يصدّ المؤامرات على الميثاق والنظام.. على الطائف.

المعطى الأمني

كذلك، لا يخفى أن الحملة السورية ـ الـ8 آذارية محلياً وإقليمياً ـ التي شملت إلى البطريرك مكوّنات رئيسية في الحركة الإستقلالية، تهدف في الفترة الحالية المباشرة إلى "التغطية" على عودة مخابراتية سورية نشطة في الآونة الأخيرة من جهة وعلى خطط لـ8 آذار المحلي والإقليمي باتجاه "تحييد" أجهزة شرعية و"ترهيب" أجهزة أمنية شرعية أخرى من جهة ثانية، وكل ذلك بالتزامن مع إستعادة الكلام "التذكيري" التهديدي عن 7 أيار.
لهذه الأسباب كلها التي تضمّنتها المقدمات الآنفة، يُستهدف البطريرك الماروني. هو ضمير إستقلال لبنان وحركة الإستقلال اللبناني.. بل هو "موتورها" الذي يبقى "شغالاً" عندما تنطفئ كل "الموتورات"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل