#adsense

لبنان: الظروف والأعراف

حجم الخط

لبنان: الظروف والأعراف

ثمة حملة في لبنان، علنية وخفية، على البطريرك الماروني. الأكثر علنية تأتي من اطراف مسيحية ومارونية تحديداً. والخفية تأتي من اطراف غير مسيحية، ومن «حزب الله» تحديداً. ولنقل منذ البداية ان هذه الحملة لا علاقة لها، لا من قريب او بعيد، بالمعتقد الديني او تنافس الاديان. انها تستهدف موقع البطريركية المارونية، بما هي رمز اساسي في الكيان اللبناني منذ قيامه. وليس صدفة ان الحملة تصاعدت على البطريرك صفير عندما تحدث عن تهديد للكيان عشية الانتخابات البرلمانية الاخيرة.لقد وُضع كلامه، عمداً، في اطار الخصومات السياسية المرتبطة بالانتخابات في الوقت الذي كان يتحدث عن خطر يهدد النظام السياسي اللبناني، الضابط للتعايش السلمي بين الطوائف والمذاهب على قاعدة اتفاق الطائف.

اي أُريد تقزيم معنى التحذير من الهاجس الوطني العام، والمتعلق بالكيان والنظام، الى تدخل في خلافات سياسية وانحياز الى فريق في هذه الخلافات.وأغلب الظن ان الرد العلني للسيد نصرالله على صفير جاء في اطار هذا التقزيم، خصوصاً انه حصر معنى الهاجس الوطني بالخطر الاسرائيلي ودعم المقاومة فحسب، متجاوزاً معنى التعايش الداخلي وتنظيمه وفق الدستور، ومصوراً ان هذه المسألة الاخيرة مفتعلة، وتالياً ينبغي سحبها من التداول. لكن، وعلى رغم نتائج الانتخابات وكما ظهر من العقد امام تشكيل الحكومة العتيدة، تأكد ان القضية الاساسية الداخلية هي قضية النظام السياسي.

وعبر رئيس كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب محمد رعد في حديث نشرته «النهار» امس، في معرض دفاعه عن تمسك الخصم المسيحي للبطريركية الجنرال ميشال عون بتوزير صهره، عن المأزق الموضوع امام النظام السياسي اللبناني بقوله «ان هناك ظروفاً تحكم البلد أهم من الاعراف»، اي ان الاولوية ينبغي ان تكون للظروف، اي الامر الواقع، وليس للأعراف التي تحكم بعضاً من عمل المؤسسات الدستورية. ويمكن الاستنتاج ان الحملة على صفير لا تستهدف موقفه السياسي فحسب، وانما تستهدف ايضاً المعادلة التي رست عليها الأعراف السياسية في لبنان، والتي تدافع عنها البطريركية لانها تعتبرها من ركائز الكيان.وإذا كانت البطريركية في واجهة الحملة والمطلوب منها الاعتذار العلني عما قاله صفير عن تهديد الكيان، فإن المؤسسات الدستورية هي الاخرى تعاني وطأة الحملة، من رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ورئاسة الحكومة.

لم يُستهدف شخص الرئيس سليمان بكلام صريح حتى الآن، ربما لأسباب تتصل بكيفية وصوله الى الرئاسة، ولأسلوبه الهادئ وكلامه التوفيقي المحرج لمنتقديه، لكن مقام رئاسة الجمهورية بات عرضة للتناول، عبر وضعها في موقع الفريق، وليس كرمز لوحدة البلاد ومؤسساتها وراعية للأصول الدستورية وفوق الخلافات السياسية. فيجري الحديث عن حصة للرئيس في الحكومة (ومدى أحقيته وكيفية تمثيله فيها). حتى ان عون اعتبر ان هذه الحصة تتجاوز الحجم الشعبي للرئيس، لينازع الرئاسة على الاشراف على الحقائب السيادية.اما المجلس النيابي الذي أقفل سابقاً فلم يستعد بعد دوره، كحلقة اساسية في عمل المؤسسات. واذا كان العذر الحالي هو انتظار تشكيلة الحكومة العتيدة، فإن أقطاباً في المجلس تشغلهم أحجامهم ومطالبهم، ما يعرقل تشكيل الحكومة. وبذلك ترتهن مؤسسة مجلس الوزراء ورئيسها لقوى الأمر الواقع التي سماها رعد «ظروفاً»، ينبغي ان تحكم التشكيل، بما ينزع حقاً دستورياً اصيلاً لرئيس الحكومة المكلف.انها حلقة مترابطة من الحملات التي تستهدف رموز الكيان والنظام السياسي وآليات عمل الحكم الدستوري فيه…

المصدر:
الحياة

خبر عاجل