#adsense

مغــارة الحمــام

حجم الخط

مغــارة الحمــام

عشت رمضان أشهراً كثيرة في بعض العالم العربي، حيث عملت. وكنت ارى كيف يتغير الرجال، وترتقي الانفس وتعم فجأة طيبة مضاعفة او يهدأ خبث مفضوح. وعلى نحو عفوي، تقليدي، متوارث، كنتَ ترى الفقراء الى موائد الاثرياء، والغرباء في صدور الدور، واهل البِرّ يضاعفون الاعمال الحسنة.
كذلك كان الشهر في بيروت، يوم كانت هي مدينة الكِتاب، وأهل الكِتاب، وليست فقط عاصمة الثقافة. وغالبا ما استذكرُ صورتها مع النقيب محمد البعلبكي، استاذنا ايضا في علم اللغة ومولانا في الفقه، وعميد المناقبيين.

عشية رمضان كانت امرأة في الكويت تتسبب بقتل 46 ضحية من المحتفلين بعرس طليقها. ومقابل هذا القتل الجماعي غير المقصود، تتفجر بغداد في اهلها قصدا كل يوم، كأنما لا هلال، ولا شهر، ولا مرور دهر على موت العراق. وفي صعدة اليمن وجباله، تطارد الدولة العصيان، فيما تحارب الانفصال على سواحل عدن، حيث تتهدد الوحدة وتغور ذكريات السلطنات الماضية! وفي السعودية يفكك الامن خلية اخرى، قبل ان تنبش من تحت الارض ما كدست من بنادق ورشاشات وسلاح. وفي الاردن يعود الى السطح، على نحو مريب، حديث الهويتين، البادية وفلسطين. وفي غزة تلد الاصولية فرعا اقصى من "جند الله"، يقضى عليه في ولادته، من دون مكافحة، ومن دون رحمة. وفي ايران تهتز وحدة الثورة، للمرة الاولى منذ قيامها. وفي افغانستان يصعد باراك اوباما، المهادن في كل مكان آخر، العمل العسكري من اجل الا تسقط باكستان، وتخسر اميركا آخر موقع في آسيا، وإن تكن تدعم رئيسا امضى 11 عاما في السجن بتهمة الفساد، على رغم كونه زوج بنازير بوتو وصهر ذو الفقار علي بوتو الرجل الذي اعدمه الجنرال ضياء الحق، ولا ضياء ولا حق.

ماذا حدث لرمضان في ديار أمته؟
أمور كثيرة حدثت، اخطرها زعزعة الشعور بالقانون، والافتاء بجواز العنف، وتأويل الجهاد على انه الفوضى والدم والحديد الحارق والمحروق، كما في العراق.
ذهب طارق بن زياد الى الاندلس على ظهر حصان ابيض، فيما اجاز بعض مواطنيه لأنفسهم ان يفجروا قطارات مدريد، بما تحمل من عمال بسطاء ونساء واي مسلم مسافر ذلك المساء.

هذه البغضاء المخيفة في الديار، تنعكس على نحو ضار في الخطاب السياسي المتزايد الانحطاط في لبنان. وما يزيد في القلق ليس لهجة اصحابه، بل قيام دعوة للدفاع عنه، كما ورد في "منبر" "النهار" الاسبوع الماضي، حيث دافع قارئ عن سقط الخطاب الحالي بحجة ان الخطاب بالامس كان فيه بذاءة كذلك. وعلى رغم ان المقارنة غير صحيحة اطلاقا، فان السابقة السيئة لا تتحول عرفا ولا تقليدا ولا خلقا ولا اقتداء. وينسى صاحب الدعوة الغريبة، انه اذا وردت كلمة نابية في جلسة نيابية علنية يحضرها الجميع، تشطب من المحضر، كأنها لا قيلت ولا سُمعت. واذا كان لا بد من خطاب سيئ، دعونا على الاقل، لا ندافع عنه. فما قد يليق، تجاوزا، بكرامة فرد قائل، لا يمكن ان يليق بكرامة شعب سامع. على الاقل حتى الآن.

ثمة مناسبتان: مجيء رمضان، ومرور عامين على رئاسة ايوب الصدّيق، المعروف ايضا بميشال سليمان. ويعرف كثيرون مدى طاقة الرئيس على الاحتمال، لكن احدا منا لا يعرف الى اي مدى يطيق ان يحتمل. ليس، طبعا، في ما يتعلق بشخص الرئيس، ولكن بما يمثل كحارس للدستور الذي هو الرابط الاخير في هذا الصراع اليومي فوق حلبة رومانية كاسرة.

يحاول ميشال سليمان في هدوء متعَب ومذهل معا، ان يعيد الصراع السياسي الى مستوياته ودوائره الوطنية. ان يُخرج السياسة من الشخصنة والفرد وعبادة الذات، ويبقيها ضمن حدودها الانسانية والمدنية. وهو يخاف، الخوف الكبير، من موقعه ومن قلبه ومن ضميره، ان تختل العلاقة بالدستور فتختل العلاقة بالقانون. غايته ليست ان ينجح في مسايسة الازمة كما اعلن شارل حلو ذات مرة، لكي لا تبلغ حد الانفجار، بل تفكيك ونزع، مكونات التفجير وثقابات الحرائق. لذلك لا يستخدم فقط لغة الحَكَم بل خطاب المؤتمن.

الدستور ليس وثيقة انتحار جماعي، بل مركب الانقاذ. كلما تأملت الطريقة التي نعامل بها الدستور، تذكرت ايام كانت الروشة صخرة المنتحرين. فقد كان هناك مطعم اسمه "غروت او بيجون" او "مغارة الحمام" تشبها بالصخرة المقابلة التي يلجأ اليها الحمام. لكن هذه الصخرة نفسها كان الناس يتكبدون الوصول اليها لكي يرموا انفسهم الى القاع!

هل نريد ان نرمي انفسنا من فوق هذا الدستور، ما كتب منه وما لم يكتب، من اعراف وتقاليد ولياقات وكياسة وأدب؟
الدستور ممارسة لا ورقة. افغانستان ايضا لها دستور. وهو من افضل الصياغات الممكنة. ولكن ها هما رجلان يعلنان الفوز بالانتخابات في بلاد ممر خيبر. هذا في جانب الموالاة، ناهيك بالجانب الآخر، اي "طالبان" ورفض فكرة الدساتير والحريات والفرد. وقد كان الدستور السوفياتي الذي وضعه ستالين عام 1936، الاكثر بلاغة وتسامحا، لكنه استخدمه لحروب التطهير والابادات والمنافي. على ان دولة مثل بريطانيا لا تزال من دون دستور مدوّن لكنها تعمل بموجب مجموعة من التقاليد والعادات والقوانين القائمة منذ مئات السنين. واما كندا، حيث يسود احد ارقى الانظمة في العالم بعد اسكندينافيا، فلم تعرف "ميثاق الحقوق والحريات" الا عام 1982.

قامت الدنيا قبل الانتخابات الاخيرة من اجل تشكيل المجلس الدستوري. وقيل انه لا يجوز ان تجري الانتخابات في غيابه. تماما هكذا مثل جميع الدول العاملة بالقوانين! وبالاضافة الى المجلس الدستوري جاءتنا نخبة من المراقبين الدوليين يتقدمهم جيمي كارتر، كي تشهد على نزاهتنا ومثاليتنا في اختيار ممثلي الامة. او ممثلي الشعب اذا شئت. الخيار لك.

فماذا كانت نتيجة الانتخابات والدستور والميثاق والتقاليد والاعراف؟ كانت النتيجة ان رئيس مجلس النواب، القابض مبدئيا على مسار المشاورات والتوافقات وحامي الاصول والقواعد، توقع حكومة خلال ايام، ثم اعلن، مستسلما، الصوم عن الكلام قبل ان يبدأ صيامه الروحي.
ليست كل الدساتير تطبق بكل بنودها. اليابانيون يطبقون الدستور الذي وضعه عسكر الاحتلال الاميركي بعد الحرب، بكل حذافيره، من تأمين العمل الى تأمين الطبابة. لكن البرازيل لم تستطع تطبيق – بين امور اخرى – البند القائل باسبوع عمل من اربعين ساعة فقط. انما هذا لا يعني انها، مثل اليابان، لا تطبق روحية الدستور في الحياة المدنية. وقد نسأل في ذلك شهادة مواطنتنا العزيزة رنا قليلات التي انقطعت عنا اخبارها وابتساماتها ومهاراتها المصرفية، كيف الريو؟

يجب ان ننسى!
تقوم عبقرية الذاكرة على قدرتين عجيبتين:
القدرة على التذكر، ومن دونها لا استمرارية للحياة، والقدرة على النسيان، ومن دونها لا طاقة على الاستمرار في الحياة. ولكن فيما نحمّل الذاكرة اكثر من طاقتها القصوى، في التذكر وفي النسيان، او في النسيان والتذكر، يتوجب ان نحفظ اننا كنا في الطريق لان نصبح نموذج تلاقي الطوائف. ويقضي ذلك بان تكون خصوصية كل طائفة احترام كل طائفة اخرى ضمن اطار احترام الدولة واحترام الدستور وتقديس القانون.
لا يستطيع كل فريق أو أي شخص، ان يعامل الدستور بهذا التعالي والاستخفاف والازدراء. وعلى الذين اقاموا الارض من اجل اقامة المجلس الدستوري ان يلتزموا ذلك المستوى الذي يفرض في البلدان انشاء المجالس الدستورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل