التصعيد وسياسة فن الشتم
… ليست السياسة فن الشتم، ولا يمكن أن يكون خطابها ذا مصطلحات مستمدة من تعابير وصفها أحد المفكرين يوماً بالصبيانية الانفعالية المنسلخة تماماً عن منطق التخاطب.
ومن سمع أمس الجنرال ميشال عون وهو يستنجد بالمثل القائل "يللي طلع الحمار على الميدنة بنزلو" لاعتراه الأسى والأسف لوصول الخطاب السياسي الى هذا المستوى المتدني جداً.
ولكن مع ذلك، فإن انفعالية عون لها ما يبررها بالنسبة إليه، فهو فوجئ بحال من التوافق بين بعض المعارضة والرئيس المكلف سعد الحريري، وصدمه أكثر أن حلفاءه أصبحوا غير قادرين على تحمل انفعاليته وشروطه التعجيزية، وقد أصبحت الأكثرية الساحقة من اللبنانيين في حال من الغليان، وهم يرون أن عمليات التعطيل تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.
… والحقيقة أن الجنرال عون ومعه المعارضة لا يملكون الحق في فرض الشروط، إذ أن هناك أغلبية فازت في الانتخابات النيابية، والديموقراطية تقضي بأن تحكم والمعارضة تعارض، ولكن الرئيس المكلف سعد الحريري، وفور صدور نتائج الانتخابات، قال: إن المرحلة تتطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية، ودعا الجميع الى المشاركة، وكانت الغاية أن تتحمّل كل الاطراف السياسية مسؤولية إنقاذ البلاد، وإنهاء كل عوامل الانقسامات الحادة، إلا أن المعارضة بدلاً من الاستجابة لمد اليد قامت بمحاولات للالتفاف على نتائج الانتخابات النيابية، ويكاد ينقضي شهران على تكليف الرئيس الحريري والعمل جار على قدم وساق لعرقلة تشكيل الحكومة، وما موقف عون أمس إلا انعكاس لهذا الواقع المرير جداً.
… لقد سقطت كل الرهانات، فهم راهنوا على إفقاد الأغلبية أكثريتها، وقد استندوا بذلك الى موقف رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط، وكذلك راهنوا على تفكك قوى 14 آذار، وغير ذلك من المراهنات والتوقعات، ولكن تبيّن ان جنبلاط لا يزال في عداد الاكثرية، وإن قوى 14 آذار لا تزال متماسكة.
إذاً، ماذا بعد؟
… ليس من سبيل أمام المعارضة، أو بعض أطرافها، إلا الاستجابة لمستلزمات إنهاء كل أشكال التعطيل، والرئيس الحريري بصبره وحكمته كان واضحاً وبشكل حاسم، فالاغلبية التي فازت في الانتخابات هي التي بادرت الى الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو يتمسك بحقه الدستوري في تشكيل الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية، ولن يرضخ لأي شروط.
.. وإذا كان الجنرال عون يختصر الواقع السياسي في لبنان بقوله "يللي طلع الحمار على الميدنة بنزلو"، فإن الاكثرية الساحقة من الشعب اللبناني لن تكون معه، بل ستكون ضد هذا الخطاب المتدني في مستواه، ونحن نعلم علم اليقين أن الجنرال يعمل للتشجيع على إفقاد رئاستي الجمهورية والحكومة هيبتهما، كما حاول سابقاً وأثناء الانتخابات إفقاد رئاسة مجلس النواب دورها، وكان همّه الوحيد هزيمة الرئيس بري في جزين.
.. فهل من مزيد؟
بالطبع، ففي جعبة الجنرال عون الكثير لخربطة الوضع في لبنان، ولكن المسلم به أنه انكشف أمام الناس، والمسيحيون على وجه التحديد يرفضون نهجه وأسلوبه، والانتخابات البلدية المقبلة ستثبت أنه سيقع في مزيد من الخسائر، ربما تفوق خسارته المدوية في الانتخابات النيابية.