" كلام الناس " … في غياب الدولة
هل يعتقد بعض السياسيين ان الناس في لبنان يأكلون ويشربون ويعلمون اولادهم من التصاريح اليومية والمشاحنات والاتهامات المتبادلة التي يسمعونها منهم كل يوم عبر الشاشات ووسائل الاعلام؟
هل يعتقد بعض اهل الشأن ان توزير فلان او عدم توزير علان يساعد الناس على استعادة حقوقهم وتحقيق مطالبهم بالحصول على ضمان الشيخوخة والتعليم والتطببيب المجانيين ؟
هل يعرف بعض هؤلاء السياسيين انه اذا ما اصيب احد الناس بمرض او تعرض لحادث ما اضطره للدخول إلى المستشفى فالعائلة مضطرة إلى بيع ما "فوقها وتحتها" لدفع الفواتير المستحقة إلى المستشفيات .
وفي حماوة هذه التجاذبات السياسية يغيب عن اصحاب المواقع السياسية ما يقوله الناس فبين لائم على التقصير، ومتفرج بسخرية ، ولا مبال ، ينقسم اللبنانيون هذه المرة ليس طائفياً أو مذهبياً ، انما في نظرتهم حول ضرورة تشكيل الحكومة بسرعة أو على مهل ، حيث يقول قسم كبير منهم ويتساءل : ما الفارق ، طالما ان اي حكومة ستأتي لن تسد جوع الفقير ولن تأتي بكيس الطحين إلى المنزل ، بل هي ستزيد " الطين بلة " فيما المواطن بحاجة إلى شربة ماء في وطن الينابيع ليبل ريقه؟
كلام الناس في الشوارع غير كلام الصحف ووسائل الاعلام ، وكلام الجلسات في المقاهي و المصانع والمعامل للذين يسمونهم "عامة الشعب" فيه الكثير من المغذى والقليل من الاهتمام من اصحاب الشأن ، فالناس كل الناس يرون الحقائق كما هي، بعيدة عن التنظير و" التبهير " والمبالغة، بعيدة عن تفكير بعض السياسيين ، الذين يبقى شغلهم الشاغل امتلاك الناس بوظيفة أو بقسط مدرسة أو بواسطة عند متنفذ للدخول إلى المستشفى، وفي النهاية يستعملونهم كوقود لحملاتهم الانتخابية والسياسية .
لنكن صريحين ونقول بأن غالبية الناس كفرت بالسياسة وبعض اهلها ، وان هذه الغالبية لا ترى جدوى من تأليف حكومة ، وتقول ان هذه السنة بلغ عدد السياح حوالي المليون سائح في ظل حكومة تصريف اعمال لا يمكنها ان تجتمع دستورياً ، وهذا الموسم السياحي كان افضل المواسم منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحتى اليوم ، فلماذا الاسراع في تشكيل حكومة يتناحر وزراؤها ، وينقسمون داخل جسلة مجلس الوزراء ، ويعطلون المشاريع وشؤون المواطنين ما لم تكن لهم اي حصة في المشروع الذي يبحثونه ؟
ويضيف البعض ، هل نريد حكومة لتزيد الضرائب علينا وترفع سعر البنزين والمازوت ونحن على ابواب الشتاء ؟
هل نريد حكومة تزيد اسعار المواد الاولية و السلع المستوردة وتقطع الكهرباء وتزيد التقنين وتمنع المياه من الوصول إلى المنازل فندفع فاتورة الماء مرتين والكهرباء مرتين بحيث صار اصحاب الصهاريج والمولدات الكهربائية اصحاب نفوذ في مناطقهم واحيائهم يسعى الناس لأخذ رضاهم ؟ أم حكومة ترفع الدين العام حتى اصبحت فوائد الديون المتراكمة تقارب قيمة الدين الاصلي ؟
المثقفون من الشباب الذين لم يحظوا بوظيفة في مجال تخصصهم يقولون : ان غياب الدولة يؤدي إلى غياب الولاء للدولة ، وهذا ما نعيشه اليوم وعاشه أباؤنا من قبلنا ، فمنذ الاستقلال وحتى الآن نسمع ان الواسطة هي السائدة في هذا البلد ، ومن يتبع هذا الزعيم او ذاك يكون له الحظ في تسلم وظيفة في الدولة او في مؤسسة كبيرة ، أما من شاءت الاقدار له ان " يركب رأسه " ويكابر على زعيمه فمصيره سيكون بائساً ، ويبقى بقية عمره يفتش عن عمل هنا او عمل هناك .
من يسمع كلام الناس خصوصاً هذه الايام ، ياسف ويحزن على ما وصلنا اليه من وضع مزر ولا بد ايضاً من تحميل الناس جزء من المسؤولية لأنه اذا كان الناس مستائين إلى هذا الحد من زعمائهم فلماذا لا يغيرون معايير العيش ، ولماذا يثرثرون حتى تجف حناجرهم ، وفي وقت " الحزّة " يتهافتون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب من يدفع اكثر يوم الانتخاب ويتجاهلون ان من يدفع لهم اليوم كان السبب في فقرهم وحالتهم المزرية خلال الاربع سنوات ؟
ويجيب على هذا السؤال رب عائلة متواضعة فيقول : ان المدارس والجامعات " تكسر الظهر " ، وفواتير الكهرباء والمولدات والمياه تقطع الانفاس ، والحد الادنى للاجور لا يكفي ثمن الخبز والتنقلات ، والخوف على مستقبل الاولاد يزداد ، فإما القبول بالوضع أو الهجرة إلى الخارج والمجهول ، وأضاف : " نحساً تعرفه ولا جديداً تتعرف إليه " .
هذا هو لبنان وهذا هو واقع الحال ، وكلام الناس يبقى كلاماً ( لا يقدم ولا يؤخر ) والزعماء يعرفون الواقع ، وينامون على حرير .