هل يتأثر لبنان بانعكاسات التدهور السوري – العراقي؟
رد الفعل الأميركي يسترعي الاهتمام ولا يقطع الحوار
يفترض ان تكون سوريا قفزت فجأة، مع الاتهامات التي وجهها اليها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي باحتضان "ارهابيين وقتلة" غداة الانفجارات الدامية في العراق وتبادل سحب السفراء بين البلدين، الى موقع جهدت في السعي الى الابتعاد عنه في الاعوام الماضية بهدف اعادة فتح حوار بينها وبين الولايات المتحدة الاميركية. فالعراق منذ قرار الحرب الاميركية عليه عام 2003 كان البند الاول والاهم في سلم الاولويات في العلاقات الاميركية – السورية وكان سبب توتر هذه العلاقات طيلة عهد الرئيس السابق جورج بوش، فبدأت منذ اشهر قليلة عملية اعادة وصل ما انقطع وان وفق عملية بطيئة. وبعدما اعتبرت الولايات المتحدة ومعها دول اوروبية عدة معنية بالوضع العراقي ان سوريا خطت خطوات نسبية قياساً بالاعوام الماضية في ضبط الحدود بينها وبين العراق، يعيد هذا الاتهام العراقي الامور الى الوراء في المبدأ خصوصاً مع تلويح بتدويل هذه الاتهامات وحمل الخارج على تبنيها.
الا ان ما لفت المراقبين المتابعين هو موقف للديبلوماسية الاميركية دعت فيه كل من دمشق والعراق، غداة هذه التطورات السلبية، الى حل المسائل بينهما بالحوار باعتباره السبيل الافضل للتعامل مع القلق لدى الجانبين، معبّرة عن الامل "في الا يؤثر هذا الامر في الحوار بين البلدين"، وفق ما قال الناطق باسم الخارجية الاميركية. وقد استوقف المراقبين هذا الموقف واثار تساؤلاتهم حول ما اذا كان رد الفعل هذا اولياً يمكن ان تتبعه ردود فعل اخرى، ام ان الاميركيين لم يقرروا بعد ماذا سيكون رد فعلهم، وان الامور بالتالي ليست واضحة تماماً بالنسبة اليهم.
وثمة استغراب لعدم افادة واشنطن من المناسبة لتجديد اتهاماتها لدمشق وخصوصاً ان الفرصة توافرت كما عبّر الموقف العراقي، ولا تزال للعاصمة الاميركية تحفظاتها عن تعامل سوريا مع ما تعتبره واشنطن تهريباً للسلاح والمسلحين الى العراق. وفسّرت مصادر معنية هذا الامر بأنه ينطوي على جملة احتمالات من بينها ما يقول ان ما حصل في العراق من تفجيرات ورمي للكرة في ملعب سوريا قد يشكل انعكاساً لانقسام داخلي في العراق على اثر هذه التفجيرات. وقد برزت مؤشراته فوراً من خلال تبادل الاتهامات بالمسؤولية والتقصير والتورط وما الى ذلك. وتالياً ان ما حصل بين العراق وسوريا ليس بالضخامة او العمق الذي يفترضه بعضهم ويتخوّف منه على ملفات اخرى ذات صلة في المنطقة بما فيها لبنان. وقد يكون العراقيون وجدوا المجال مفتوحاً لاتهام سوريا ما دامت مسؤولة عن استقبال هاربين عراقيين في اراضيها. ومن بين الاحتمالات ايضاً ان الولايات المتحدة التي ترغب في سحب قواتها من العراق كانت بدأت حواراً أمنياً مع سوريا حول الحدود العراقية – السورية ولا تنوي التفريط به اياً تكن نتائجه حتى الآن، بل على النقيض من ذلك، وعلى رغم ان تقدماً كبيراً لم يحصل بعد وفق ما تقول مصادر معنية بمعنى تطبيع الامور وعودة العلاقات الى طبيعتها بين البلدين.
لكن واشنطن لا تريد على الارجح، وفقاً لرد الفعل اللافت الذي ابداه الناطق باسم الخارجية الاميركية، ان تعيد فتح باب العداوة، وان وقوفها بجانب العراق في هذه الاتهامات قد يثير ازمة متجددة مع سوريا تعيد الامور في هذا الشأن الى الوراء. وفي هذه الحال ستكون واشنطن محرجة اذا لم تتضامن مع العراق، وقالت بعدم صحة هذه الاتهامات، علماً ان الباب يستمر مفتوحاً امام العاصمة الاميركية كي تبني على الشيء مقتضاه وفقاً لتطورات الامور لاحقاً، او ان واشنطن غير واثقة من مسؤولية سوريا في هذا الاطار، ومدركة ان ثبوت التهم الموجهة اليها سيتسبب على الارجح في تأزيم متجدد للعلاقات بين الولايات المتحدة وسوريا وقفل للحوار المفترض ان يتقدم بين الجانبين في المرحلة المقبلة. ومن الاحتمالات ايضاً ان واشنطن قد لا تكون راغبة في انتقاد سوريا او المشاركة في اتهامها، في حال صحّت المعلومات عن زيارة غير موفقة قام بها الرئيس السوري بشار الاسد لطهران اخيراً، اذ ان عدم المشاركة في الاتهامات قد يساهم في ابعاد دمشق عن طهران.
الا ان رد الفعل الاميركي عند هذا الحد يفترض ايضاً انه على رغم استياء واشنطن من العرقلة التي تمارسها سوريا الى موضوع تأليف الحكومة في لبنان، تظل العلاقات الاميركية – السورية قيد المتابعة الجدية والمدروسة، وان الوضع بينهما لا يزال مقبولاً ولم يتردَ بعد، ولم تتسبب التطورات السلبية في لبنان من خلال عرقلة تأليف الحكومة اللبنانية والتي اتهمت واشنطن سوريا بدور في العرقلة راهناً، او التطورات الاخيرة في العراق على رغم سقوط اكثر من 100 قتيل و400 جريح هناك، في تراجع مهم للامور بينهما، من دون ان يعني ذلك تقدمها او احتمال تقدمها على نحو عاجل ايضاً. ولكن يجب متابعة التطورات من هذه الزاوية، في رأي المراقبين، باعتبار انها تشكل مؤشرات حقيقية الى طبيعة الامور في المرحلة الراهنة في جملة ملفات تتعلق بالمنطقة.