.. والعدو الإسرائيلي يتدخل أيضاً في تأليف الحكومة!
… واسرائيل "من غير شر" كسواها تسمح لنفسها أيضاً بالتدخل في تأليف الحكومة. تريد (كسواها) ان تخترق الحدود والجغرافيا والتاريخ والناس وتمد يدها النجسة إلى هذه العملية، فاسرائيل، التي تنتج وحوشاً والتي تنشط بشكل "إلهي" لتهويد الضفة الغربية، والقدس بعدما هودت الجولان العربي المحتل؛ واسرائيل (صنيعة وحوش التوراة) التي فضحتها مؤخراً الصحافة السويدية بكشف متاجرتها بالأعضاء البشرية لشهداء فلسطينيين، ها هي، وبكل وقاحة وخسّة (من طبائعها وتطبّعها)، او بالأحرى ها هم أكلة لحوم البشر (التوراتيون) يضعون فيتو على دخول حزب الله الحكومة قيد التأليف.
ولا عجب، من أَكلة لحوم البشر ولصوص الأعضاء والأطراف، ان تمتد شهيتهم الحيوانية البلا حدود، ونهمهم البربري اللامتناهي، إلى أكل الارادة اللبنانية، ولا عجب من السفاحين واللصوص والعصابات الصهيونية ان يمدوا أنوفهم الدامية إلى داخل الوضع اللبناني. فالتوراة السعيدة بهم، والسعداء بها، أمنت لهم الذريعة "النبوية" او الإلهية، باعتبارهم "شعب الله المختار" وعلى هذا لماذا لا يحق لهذا الشعب المختار أن يختار ضحاياه، وأوطان سواه، والشعوب الأخرى، بلا رادع، ما دام، هو بكل بساطة "الشعب المختار": فالغجر اللبنانية بالنسبة إلى هؤلاء صارت "يهودية". والقدس العربية صارت يهودية، والضفة وكل فلسطين والجولان. وهذا "حق" من حقوق هذا الشعب، وذلك الكيان، وتلك "الأمة" الملعونة.
فلشعب الله المختار حق ليس لسواه من الشعوب "الثانوية" أو الدونية. والعِرق السامي الذي "صادروه" وجعلوه "خصوصياتهم" دون سواهم، هو "العرق" المتفوق بهم وأكثر: هو العِرق الإلهي بهم، تماماً كما رأى النازيون في العرق الآري العِرقَ الاستثنائي والفوقي. وتماماً كما خطر لجورج بوش ان يعين نفسه "رسولاً" إلهياً لشعب إلهي أو لحزب جمهوري إلهي، او ليمين جديد إلهي. وتماماً كما اقتبس بعضهم عندنا، على امتداد الحروب، من هؤلاء، أمراض التفوق الطائفي، بحيث صار وبالتناوب، لكل طائفة عندنا، وعبر أحزابها الإلهية ان تكون إلهية استثنائية، وأعظم الطوائف وأشرف الطوائف، نقول ذلك ولا نستثني أحداً. فالأمراض العرقية وصولاً إلى الأيديولوجية التاريخية، فالرأسمالية كلها وضعت نفسها في المقام "الأعظم" وفوق البشر، والطوائف الأخرى، والناس.
وها هي اسرائيل، وارثة النازية، وكل هذه الأوبئة العنصرية تنتصب، بكل جبروتها، وتمنح نفسها الحق "الإلهي" بقتل الآخر، أي آخر. لأن كل آخر هو "دوني" بالنسبة اليها، وخصوصاً في هذه المنطقة. ففلسطين كانت، ولا زالت بالنسبة اليها، "ارضاً بلا شعب" وهي المختارة "شعب بلا أرض" وما زالت هذه المقولة "التوراتية" (والتوراة وراء كل مصائبنا مع هذا العدو) شغالة عندها، على قدم وساق ودم وقتل واستباجة. ولأن الشعب الفلسطيني بالنسبة الى هذا الكيان المريض بنرجسيته هو شعبٌ "افتراضي"، أو "معدوم" او غير موجود، فهذا يحرضه، وبكل راحة ضمير وبكل ديموقراطية (أي ديموقراطية هذه تسوغ قتل الآخر) على احتلال أرضه. وعلى ارتكاب المجازر (الم يقل أحد قادته التاريخيين إن الفلسطينيين والعرب حشرات يجب سحقها!) وعلى الاستمتاع بأكل لحمه، أو على المتاجرة بأعضاء الشهداء؛ اي اعتبار الشعب الفلسطيني كله مجرد "سلعة" بلحمه ودمه، يمكن المتاجرة بهما، وربما انشاء شركات ومؤسسات عابرة القارات تقوم بهذه التجارة المربحة.
فأي فارق، بالنسبة لهؤلاء "الوحوش الطالعة من التوراة" بين سلع كالسلاح والمخدرات والبطاطا… وبين لحم الفلسطنيين. انه سلعة. ولا يختلف مفهوم هذه التجارة، الجديرة بالعصابات واللصوص والقتلة عن مفهوم أَكل هذه اللحوم. فالكيان الصهيوني كيان قام على افتراس الشعب الفلسطيني، وعلى مص دمائه: فأي ضير في ان يكون كذلك مصاص دماء! نظام دراكولا. (وفرانكشتين كنظام مفبرك)!
والغريب ان مجرمي الكيان وعلى رأسهم نتنياهو (هذا الوحش المتأنق الذي يخفي في عينيه أنياباً وبراثن) وليبرمان، وقبلهما بيغن وشارون وصولاً إلى ذلك المنظر الدموي هرتزل. الغريب ان ينكر هؤلاء ارتكابهم الاتجار بأعضاء الشهداء الفلسطينيين وينظمون حملة مركزة على الحكومة السويدية تحت شعارهم الممجوج "معاداة السامية" ومعاداة السامية، تعني بالنسبة اليهم معاداة الارادة الإلهية التي وسمتهم المختارين والمُصطَفين بين البشر والكائنات. وقد يعمدون غداً إلى اعتبار الغابات والأشجار والحجارة والدواب الاسرائيلية هي أيضاً من كائنات الله المختارة! تصميم ايديولوجي ترهب به مافياتهم المسماة "لوبيات" العالم. فاذا انتقدت جرائمهم فأنت معادٍ للسامية. واذا دافعت عن حقوق الشعب الفلسطيني فانت معادٍ للسامية. واذا كشفت جرائمهم فأنت معادٍ للسامية. فيا لهذا الشعار الاجرامي الذي يحاربون به العالم كله، كأنه اداة اساسية من أدواتهم الارهابية.
هؤلاء المُصْطَفون يريدون اليوم وبعد فضيحة اتجارهم بأعضاء الشهداء الفلسطينيين وبعد استمرارهم في تهديد القدس والضفة والجولان.. ها هم يساوون بين "أيديولوجية" التهويد وبين "أيديولوجية" التدخل السافر بتأليف الحكومة اللبنانية، كأنما، بعد اكلهم اللحم البشري الفلسطيني، يريدون ان يأكلوا لحم الحكومة… ورئيسها المكلف، فلعل ذلك يساهم في ضرب المساعي لتأليف الحكومة.
وكما لا يريدون فعلاً، حكومة فلسطينية قوية فهم يزرعون الألغام امام تأليف حكومة وحدة وطنية بالشروط الدستورية والديموقراطية والسيادية.
واذا فهمنا وعرفنا طبيعة أهل الكيان الصهيوني في عرقلة قيام حكومة قوية في لبنان، فنحن لا نفهم إلاّ من باب "الغيوب"، انْ يسعى بعضهم عندنا ومن الخارج العروبي الأبي، والأعجمي الأشم الى مثل هذه العرقلة. وقد "تتفهم" الذهنية الصهيونية العدائية والشريرة لضرب قيام حكومة لبنانية لضرب احتمال بناء دولة قوية لكننا لا نتفهم ان يستمر بعض الفرقاء، من هنا وهناك في هذه المحاولات.. واذا كنا نتفهم "الأيديولوجية" الصهيونية في تجريبها الدائب لتخريب النظام اللبناني التعددي (على مساوئه) وتعميق الانقسام الطائفي، فنحن لا نستوعب أحياناً كثيرة أن تصيب العدوى الاسرائيلية لضرب النظام وإحداث الفوضى والحروب بعض الخارج، الذي يسمح لنفسه بالدعوة إلى تغيير النظام اللبناني، ابّان تأليف الحكومة والتهديد بالحروبّ! في الوقت الذي نرى ان هذه الأنظمة هي التي تحتاج إلى تغيير. وهذا يعني ان اسرائيل وأطرافاً أخرى، تلغي الشعب اللبناني المنوط به أولاً وأخيراً، تغيير النظام أو عدمه!
واذا كانت اسرائيل تحاول وبكل قواها، تشويه صورة لبنان وديموقراطيته وتعدديته، بسعيها إلى نظام احادي شبيه بنظامها ينتج حروباً تقسيمية فلماذا يجب ان يهتدي من يهتف بمصلحة لبنان من الخارج، تشويه هذه الديموقراطية التعددية وان راهناً "طائفية" عبر محاولة نفي نتائج الانتخابات الأخيرة، ونفي الأكثرية ونفي مردودها. وكلنا يعلم انه قبل حروب اسرائيل وبعض الأنظمة العربية وأميركا على لبنان في حروب السبعينات وما بعدها كان يقال إن "لبنان هو البلد الديموقراطي الوحيد في المنطقة"، صارت اسرائيل بالنسبة إلى بعض الغرب المتواطئ معها هي "الدولة الديموقراطية الوحيدة" وسط دكتاتوريات مذهبية وعائلية وعشيرية وايديولوجية!
اهذا هو المطلوب! ان نقتبس من مخططات اسرائيل عملياً ما ننكره علناً؟
واذا كنّا اليوم في خضم تأليف الحكومة عبر "الرئيس المكلف ونشدد على "الرئيس" لا على من يسرق اللقب والدور وما يعنيان لالحاق الاهانة بالرئيس المكلف ومن يمثل بتسميته "النائب المكلف".
واذا كنّا في الخضم، فهذا يعني، قبل كل شيء الخروج على "المنطق" الصهيوني بتخريب اللعبة الدستورية عندنا، والديموقراطية والاعتراف باكثرية وأقلية. والخروج على محاولات الكيان للايحاء بأن لكل من هبّ ودبّ وهو منه ان يسوغ لنفسه التدخل الخارجي السافر بهذا التأليف لتعقيد المسألة، والايحاء بأن اللبنانيين غير مؤهلين لا لتأليف الحكومة ولا للحكم ولا لأي مسؤولية، ويكفي ان يعلن نتنياهو انه ضد دخول حزب الله الحكومة اللبنانية، لكي نفهم المحاولات لنقل المسألة إلى مستويات أخرى. ويحُّز في قلوبنا ان يسعى بعضهم من الداخل والخارج إلى ما يسعى اليه العدو الصهيوني لعرقلة مهمة الرئيس المكلف، المعني مع رئيس الجمهورية، وحده، وبعد الاستشارات بعملية التأليف بحسب العُرف والدستور. وكلنا يعلم أن اسرائيل عندما تبدي هذه القحة باعطاء رأيها بالموضوع الحكومي تريد فيما تريد المساس بدستور البلاد وبالنظام نفسه، باعتبار اننا مجموعة قبائل بلا دستور ولا نظام ولا دولة ولا كيان… ولولا هذه الفكرة الجهنمية لما تجرأ نتنياهو على تهديد لبنان في حال دخول حزب الله الحكومة. وقد أبلى حسناً الشيخ سعد الحريري عندما صرح بأن حزب الله سيدخل الحكومة شاء العدو أم أبى. وهذا دليل على تمسك الحريري بالدستور اللبناني اولاً، وبالوحدة الوطنية ثانياً، وبآلية النظام القائم.. فاذا كان تأليف الحكومة سيطرح ما يمكن طرحه من تغيير النظام… فهو الوقت غير المناسب. ففي الوقت الحاضر عندنا دستور واضح علينا الخضوع له والذين يريدون تغيير النظام (ونحن منهم لكن ليس من أي موقع طائفي أو مذهبي.. طبعاً) فعليهم ان يسعوا الى ذلك التغيير عبر العمل السياسي السلمي وليس عبر أي وسيلة أخرى…
وعندما نشدد على ان الرئيس المكلف يتحرك ضمن خطة مبدئية تتظلل الدستور فهذا يفسّر موقفه من اسرائيل وتدخلها ومن تمسكه بحكومة وحدة وطنية تكون أيضاً اعترافاً بارادة الناخب واعترافاً بالأكثرية والأقلية. وتشبثاًَ بالطائف لا سيما عندما يتكلم عن المناصفة التي ينص عليها اتفاق الطائف.
اذاً تحت سقف الدستور والدولة والسيادة، والديموقراطية، يتحرك الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية، اي تحت سقف الشرعية. فالأكثرية هي التي رشحته وكذلك الأقلية، وكل من موقعه. واللعبة الديموقراطية للتأليف لا يحددها احدٌ، لا من هنا ولا من هناك، سوى آليات التفاهم، ومن ثم الاختيار الذي يتم بين الرئيس المكلف ورئيس الجمهورية. وهذا يعني (وعنى على طول المرحلة السياسية اللبنانية) ان الرئيس هو الذي يؤلف الحكومة، وهو مسؤول عنها ما دام حائزاً ثقة النواب. ولا أحد لا من المعارضة ولا من الموالاة يحق له انتزاع هذا الحق. وخصوصاً أهل الخارج والخوارج وبالأخص العدو الاسرائيلي.
فعندما نسمح لكل طارئ وطارق من هذا الخارج او ذاك، ان يمد اصابعه إلى عملية التأليف، فانما نسمح بذلك لاسرائيل ولغير اسرائيل بان تقوم بالمثل، وكأن ارادة اللبنانيين "كرم على درب" او من المال السائب.
نحن اليوم امام ما يتوارد ويُوَرّد من معضلات معرقلة لتأليف الحكومة. نقولها للجميع: إن الديموقراطية النسبية التي نتمتع بها نعمة وبركة واستثناء ودور… والديموقراطية هي في العمق السيادة والاستقلال والدولة والوطن.
ومَن يعبث بهذه المعطيات المكتسبة يعبث بمصير البلد.