#adsense

حين يصبح الدستور إثماً !

حجم الخط

حين يصبح الدستور إثماً !

مع كل البهجة الشديدة التي يمكن ان يثيرها اللقاء الموعود بين الرئيس المكلّف سعد الحريري والعماد ميشال عون كبارقة مفترضة "لاستراتيجية الخروج" من الانسداد السياسي، لم يعد ثمة أوهام في ان اي اختراق ولو أدى الى ولادة الحكومة لن يكون كافياً وحده لتبديد المخاوف من دخول لبنان أزمة نظام ثابتة غير قابلة للجدل.

لا تعني أزمة النظام دائماً تعريض المؤسسات للفراغ والتعطيل. يمكن ملء "الشواغر" الدستورية غالباً، وبعد طول مماحكات، لكن مع موروث هائل متراكم من هذه الأزمة الزاحفة والمتدحرجة. وما حصل حتى الآن في أزمة تأليف الحكومة ليس إلا العارض الأم الذي انفجر في وجه الاستحقاق الحكومي فور اتمام الاستحقاق الانتخابي النيابي.

أزمة النظام هذه لا تقبع في الحصص ولا في الشروط ولا في المطالب، مهما عصت واستحالت. الإرث السياسي اللبناني يتمتع بقابلية مذهلة على تلقي كل اللامألوف في المفاصلات والمقايضات المصلحية المباشرة للقوى. في الجمهورية الأولى ايضاً كان ثمة الكثير مما يُقال تندراً عن أمزجة الشروط والمطالب. في ذلك ربما لا يكون العماد عون إلا وريثاً جامحاً لكلاسيكية الزعماء وليس رائد تغيير ولا اصلاح.

المسألة الحقيقية قد لا تقف عند "عقدة العماد عون" ومن بعده "عقدة مسيحيي 14 آذار" على الارجح، وقبلهما وبعدهما عقد أخرى مستترة ومعلنة.

أما الأزمة الفصيحة الناطقة بكل ما يمنع تجاهلها فهي في تعميم قوى المعارضة جميعاً، بأحزابها وتياراتها "الوازنة" كما بسائر الدائرين والمنظّرين في فلكها، مفهوم "تأثيم" الأصول الدستورية كأنها الإثم بعينه.
تنتاب المعارضة من هذه الناحية عوارض ازدواجية فاقعة، اذ تفيد من الاستحقاقات الدستورية لفرض كل قسري من أعراف وسوابق وانماط اكراهية بحجة الحق الدستوري، ثم تنقض في المقابل على كل استحقاق لتحويله محطة متقدمة في تجويف النظام وقضمه تدريجاً.

في هذا المنقلب، يغدو رشق المعارضة، او بعضها، بالارتباط بالخارج شأناً اقل خطورة من "الطبائع" الذاتية نفسها. وليس أدل على ذلك من ظاهرة برزت بقوة مع محنة الحكومة العتيدة المتعثرة بالولادة القيصرية، وهي ظاهرة انتفاض المعارضة عند كل مفترق ومحطة وتعثر كان يرتفع فيه الصوت الدستوري. ذهبت هذه الظاهرة الى حد تصوير المعارضة كل مناداة بالتزام الدستور وأصوله واحترام نتائج الانتخابات النيابية كأنها "اعتداء" موصوف على الوحدة الوطنية، او عدوانية صارخة في وجه قوى المعارضة تحديداً. ولم ينل ملتزم مبدئي ثابت و"شجاع" او ملتزم دستوري عنيد في الدفاع عن الاصول، ما ناله البطريرك صفير من صنوف التداعي الكلامي والتهافت التعبيري لانه ابى ويأبى الخضوع لتغيير على هذه الشاكلة القسرية لن يبقى معه لنظام او لديموقراطية حقة اثراً بعد عين.

ولعل التزوير بعينه ان تطمس ازمة النظام بالانقسام المسيحي وحده، في حين ان الانقسام بين المسلمين على مفهوم الدولة كان المسبب الأول لاستجرار آفة الصراع المذهبي في حقبة من الحقبات وليس اي عامل ديني آخر. كما انه طمر للرؤوس في الرمال ووهم قاتل ان يستهين بعض اصحاب الرؤوس الحامية بالمضاعفات والمفاعيل العكسية لمحاولات الترهيب الكلامي كتلك التي يجري تعميمها الآن لتصوير الاستحقاق الحكومي ضربة اجهاض ناجزة للنتائج الانتخابية في بعديها الانتخابي والسياسي معاً.

مفاد هذه الحقائق ان الاولوية المطلقة التي سترتبها ولادة كهذه للحكومة هي قلب الاولويات السائدة. ولن تقلع حكومة ائتلاف او حكومة وحدة وطنية، او اياً تكن المسميات التي تطلق عليها، ما لم تبدأ من معالجة مصير النظام ووضعه على الطاولة. وإلا فكل يوم من ولايتها لن يكون أفضل من هذه "المقدمات" المكهربة المنبئة بكل زيف الشعارات وتكاذب السياسة والمغامرة بالغد بعد البارحة واليوم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل