الهجمة الإرتدادية السورية ـ الإيرانية تحرّكها مخاوف مشتركة من ملفات بعضها مشترك
لا انفكاك بين نظامي الممانعة قبل الإحياء الجدّي للتسوية
ما هو الأفق الذي على أساسه اختار محور الممانعة الإيراني ـ السوري أن يبادر إلى هجمة إقليميّة مرتدة؟ يعتقد النظامان أنّها ستؤمّن مصالحهما الحيويّة، ومنها تغطية قمع حركة الإعتراض والإنتفاض داخل المجتمع الإيرانيّ و"تحصين" سوريا أمام استحقاق المحكمة الدولية، وإستعادة نفوذ إقليميّ مشترك جرت خسارة جزء كبير منه في العراق بعد أحداث البصرة، وجرى هدر قسم آخر منه بعد نكبة غزّة الأخيرة، ثم جاءت الإنتخابات النيابية اللبنانية كإنتكاسة ثالثة لمحور الممانعين.
ما هي الأبعاد التي ستتخذها هذه الهجمة الإقليميّة المرتدّة؟ هل إنّها مجرّد لحظة تشدّد مشتركة بغايات تفاوضيّة على ملفّات بعضها متقاطع وأكثرها مختلف بين البلدين؟ أم أنّها تشي بتصلّب قد يشتدّ أكثر فأكثر ولا يعود خاضعاً للغايات التفاوضية وحدها، أو لا يعود مؤمناً لموجبات هذه الغايات؟
قصارى القول إنّ طلائع الهجمة الإقليميّة المرتدة تضعف كل الرهانات على "سلخ" سوريا من إيران، وتعيد إظهار العناصر التي تعتقل هذا الإحتمال حتى إشعار آخر، ومن أهمّ هذه العناصر الوضع في لبنان، وبالتحديد الحجم الكبير لـ"حزب الله" فيه، وهو حجم يقف حجر عثرة دون انفكاك سوريا عن ايران، ويؤمّن محطة توليد مشتركة للممانعتين السورية والإيرانية، ويتمّ من خلال هذه المحطة تأمين رياسة ايران على سوريا، استراتيجياً وأيديولوجياً، بما يجعل الخيارات التفاوضية والتسووية السورية مجرّد غطاء لسياسة تلتزم محوراً مشتركاً مع القطب الرافض أساساً لأي تسوية للصراع العربيّ الإسرائيليّ.
ولا شكّ أنّه ينبغي إدخال عنصر الخوف من المحكمة الدولية، وهو خوف يصل حدّ الهلع أحياناً وينتاب كل معسكر وعسكر الممانعة دون استثناء. هذا الخوف وتحديداً من الجهة السورية، يعطف أيضاً على كامل المخاوف الإيرانية من احتمالات قد يسلكها الملف النووي. في الحالتين الإيرانية والسوريّة، الخوف يجمع قوى الممانعة ولا يفرّقها. كذلك الضعف الأميركي في المنطقة، من آخر عهد الإدارة السابقة وإلى اليوم. مثل هذا الضعف لا يشكّل حافزاً للإنفكاك السوريّ عن إيران.
لا يعني ذلك أنّ العلاقات السوريّة ـ الإيرانيّة ما دام يجمعها الخوف وما دامت تستفيد من ضعف أميركا فإنها خالية من التوترات. على العكس من ذلك إن توتّرات كهذه، وأزمة ثقة عميقة، هي التي سرّعت عقد قمّة الرئيسين السوريّ والإيرانيّ التي اختارت سبيل الهجمة الإقليمية الإرتدادية. وهنا بيت القصيد: إذا ما حوصرت هذه الهجمة واصطدمت بالحائط المسدود إن في العراق أو في لبنان، وبفعل المناعات الوطنية الناشئة، فإن التوتّر السوريّ الإيرانيّ سيقفز إلى السطح، ولن يكون بالمستطاع إرجاعه إلى بيت الطاعة كما حصل في قمة الأسد ـ نجاد الأخيرة.
في النهاية، إذا ما أدرك نظام أنّ الخطر الوجوديّ يتعلّق بحليفه فقط فمن الممكن حينها احتمالات التوتر ثم الإنفكاك بين سوريا وإيران. وإلى الحين، فإن إيران تسيطر على هذا التوتر بالإعتماد على "حدس" يسكن النظامين السوريّ كما الإيرانيّ بأن التهديد يطالهما بنفس الدرجة، وفي المدى الزمنيّ نفسه، وأنّ كلّ إيحاء بغير ذلك هو لمجرّد ذرّ الرماد في العيون.
هذه الغريزة التضامنية بين سوريا وإيران ستعطّل مسبقاً كل الخيارات "التدرّجيّة" البطيئة التي تريد خلق تمايز بين السياستين. وحدها إحياء عمليّة السلام يمكنها أن تشكّل خياراً حقيقياً لتأمين هذا التمايز، بل لجرّ إيران بعدها إلى الإلتحاق بالتسوية الشاملة في المنطقة. من دون إحياء فعليّ للتسوية، فإنّ إنقسام الممانعة بين فريق يقبل بالتفاوض لحل الصراع مع اسرائيل وبين فريق لا يقبل بأقل من تحطيم الدولة العبرية سوف يبقى تمايزاً تحت السيطرة. وحتى الآن فإن كل ما يردنا بشأن الجهد الأميركيّ للإقلاع مجدّداً بالعملية السلمية ما زال بدائيّاً جدّاً، ولا يمكن مقارنة ساعته بساعة البرنامج النووي الإيرانيّ والتحدّيات التي يفرضها. والحال أنّه لا انفكاك حقيقياً يرتجى بين سوريا وإيران إلا بإستئناف عملية التسوية بشكل فعليّ وجديّ وتحت رعاية أميركية ودولية مكثّفة وضاغطة.