بين رفض التوطين ورفض التخويف
يعتبر موضوع التوطين من المواضيع التي تتساقط فجأة وبين الحين والآخر في ساحة التراشق السياسي الحاد والمتوتر الذي ابتلي به لبنان منذ زمن وما يزال محولا اياه من وطن الأنفاس المتقعطة الباحثة عن الامل الواعد والرجاء الى وطن الأنفاس المذعورة التي لا تبحث عمن يعيد اليها الطمأنينة والاستقرار فقط بل ايضا عمن يضمن لها حقها في ان تعيش عيشة الانسان دون منة من أحد ودون ضغوط.
والمؤسف في الأمر ان موضوع التوطين هذا لا يطرح دائماً في الساحات السياسية اللبنانية من باب ابداء الحرص على قضايا ابناء الشعب الفلسطيني الشقيق وحقهم في العودة الى ارضهم وديارهم التي هجروا منها بفعل الاحتلال الاسرائيلي الغاصب وغطرسته وتواطؤ الدول بل ان الامر يطرح في كثير من الأحيان كنوع من "الفزاعات" الديموغرافية ـ الطائفية والمذهبية التي ترفع في سماء الوطن من اجل اما ضرب مصداقية بعض السياسيين وزرع الشكوك حول تصرفاتهم واما من اجل تخويف بعض اللبنانيين من بعضهم الآخر وشحن غرائزهم وعصبياتهم وابقائهم مستنفرين في حالة من التوتر والترقب القاسي البالغة الكلفة على كل العباد والبلاد..
يحدث هذا في لبنان وهو ما زال مستمراً فيه رغم اجماع كل اللبنانيين بمن فيهم كل مسؤوليهم وسياسييهم ومفكريهم وأحزابهم وطوائفهم وقوانينهم ودستورهم على رفض فكرة التوطين بكل أوجهها بما فيها كل ما هو متواجد داخلها من مشاريع افتراضية او محتملة او مضامين واساسات وآراء.
يحدث هذا في لبنان في هذا الزمن الصعب الممتلئ بالتحديات والذي يحتاج فيه المجتمع اللبناني الى من يخفف عنه وطأة الأزمات ويبدد من امامه الهواجس ويعيد اليه لحمته والثقة التي تكاد ان تصبح مفقودة تماماً بين كل ابنائه وسياسييه.
يحدث هذا في زمن لا يزال مستمراً فيه النزف البشري المهاجر من ارض الوطن حاملاً معه خيرة الشباب اللبناني الهارب من جحيم الخلافات وجحيم استمرار الخلافات وجحيم استفحال الخلافات وتوليد الخلافات واستيراد الخلافات واصطناع الخلافات ودون ان نرى في المقابل من يرفع الصوت عاليا ويعمل بفعالية ونشاط من اجل تثبيت المواطنين اللبنانيين في وطنهم وابقائهم في بلادهم واعطائهم كل الضمانات الكفيلة بحفظ حقوقهم وحفظ حقهم في ممارستهم لها والتمتع بها دون عقبات او تيئيس ودون تهويل او تخويف وقبل ذلك كله دون خلافات مستمرة ودون تعقيد او تضليل..
وحدث هذا في وقت لا يزال يدفع فيه الشعب اللبناني غاليا ثمن الأزمات وثمن المحن والنكبات التي تعصف بدولته وتضرب مجتمعه واقتصاده وقدراته وثرواته ويدفع معه ابناء الشعب الفلسطيني المقيمون في لبنان وتحت السقف الواحد من الالام والأحزان والمخاطر اثمانا باهظة ومضاعفة نتيجة الاهمال المزمن والمستمر لقضاياهم ونتيجة عدم التعاطي اللائق مع معظم متطلباتهم الانسانية والاجتماعية التي هي في الاول والآخر وفي الاساس وفي الواقع بعيدة كل البعد عن كل حسابات اللبنانيين الداخلية وحسابات طوائفهم وديمغرافياتهم وارقامهم.
ربما كان الأجدى بمتناولي موضوع التوطين بهذا الشكل المثير للمخاوف والمكون للأوهام والأحقاد ان يتناولوه بطريقة اكثر عدلا ونفعا لكل من اللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء وأن يتناولوه بطريقة اكثر واقعية تضع الأمور في نصابها دون تضخيم ودون ان تنسيهم ان في البلد مجموعة كبيرة من المواضيع الأخرى التي لا تقل اهمية والتي تحتاج إلى قدر كبير من العناية والاهتمام والتي من أهمها:
عدم الاستمرار في تيئيس اللبنانيين وتطفيشهم من بلادهم وتحويلها الى ساحة من ساحات الصراع المتخلفة التي تأكل عرق الأحياء وتدفن الاحياء وتعطي الغرباء صفة الولاة الدائمين والأوصياء..
ان رفض فكرة التوطين ومشاريع التوطين ستكون بالتأكيد من الأمور البالغة الأهمية اذا ما كانت منطلقة من حرص صادق على الوطن وحرص على كل قضايا الشعب الفلسطيني المحقة وكل حقوقه وآمانيه الا ان تناول هذا الامر خارج هذا الاطار وفي الشكل الذي كنا رأيناه مرارا سابقا سيكون مدعاة مستمرة للحزن والاسف لكونه سيكون حينها اما آتيا في سياق لزوم ما لا يلزم في ضوء اجماع اللبنانيين الصريح والصارم على رفضه وهذا اهدار للوقت وللجهد، وإما آتياً في سياق السعي لتخويف اللبنانيين من بعضهم البعض وهذا امر معيب وخطير يجب التنبه له والتحذير منه، فزراعة الخوف في المجتمعات لا تنتج الا الخوف والتاريخ اثبت ان الخوف لا يبني يوماً الأوطان ولم يحمها…