#adsense

ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب”

حجم الخط

ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب"

لسنا بالطبع في زمن الخداعات، حيث يُصدّق فيه الكاذب، ويكذّب فيه الصادق، وإذا كان هناك من يحاول الالتفاف على المحكمة الدولية لغاية في نفس يعقوب، فيشن حملة مبرمجة، فإن الأمر ليس بهذه البساطة على الاطلاق، والمدير العام السابق للأمن العام جميل السيّد لا يستطيع في هذا المعنى تزييف الحقائق استناداً الى وقائع ليست دقيقة أبداً، وقد انكشف أمره من خلال انفعاليته وجنوحه الى شتم الآخرين، حيث لم يوفر أحداً، لا الاكثرية ولا حتى بعض المعارضة، متطاولاً على الرئاسات والقضاء والجهات الامنية.

ولا نريد الدخول في متاهة الإفراج عن الضباط الاربعة، والحكم عليهم إن كانوا أبرياء، قد ظلموا، أو لم يكونوا، فنحن نعرف القاعدة القانونية التي تقول إن الإفراج لا يعني الإدانة ولا البراءة، والمطلوب انتظار قرار المحكمة الدولية، وعندها لكل حادث حديث.

لكن الكلام الذي أطلقه جميل السيّد أمس، بمناسبة مرور أربع سنوات على قرار توقيفه مع الضباط الآخرين على ذمة التحقيق، يستحق التوقف عنده، إذ أن القرار صدر عن المحقق الدولي، ولا علاقة للقضاء اللبناني لا من قريب ولا من بعيد به، علماً أن معظم التحقيقات الدولية لم يطلع عليها القضاء اللبناني، ما يعني أن الاتهام الذي وجهه جميل السيّد الى مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا فيه الكثير من التجني، ولسنا أساساً بحاجة للدفاع عن سعيد ميرزا، لأن تاريخه القضائي يشهد له بالنزاهة والحكمة والعقل الراجح.

.. وأيضاً، ليست المرة الاولى التي يتهجم فيها جميل السيّد على الزعيم الوطني في لبنان دولة الرئيس المكلف سعد الحريري، وأساساً فإن علاقة السيّد بآل الحريري لها تاريخ حافل، إذ بدأت منذ أيام الرئيس المغفور له الياس الهراوي، وقد رفضت الحكومة آنذاك، ممثلة بوزير الدفاع، ترقيته الى رتبة عميد، فقام قائد الجيش آنذاك اميل لحود بتجاوز القانون، وأصدر قراراً بترقيته، على الرغم من عدم موافقة الوزير.

وأيضاً، أذكر حادثة يوم كان جميل السيّد نائباً لمدير مخابرات الجيش، وقد اقتحم وزارة المالية في منطقة السوليدير بعد تطويقها، ودخل الى مكتب الوزير فؤاد السنيورة، وهدده بالسلاح، طالباً منه الموافقة على فتح اعتماد لشراء سيارات، ثم غادر متجهاً الى منزل الرئيس الشهيد رفيق الحريري في قريطم معتذراً، قائلاً له بالحرف وبكل وقاحة: لقد ارتكبت خطأ كبيراً، ولكن عن قصد.

ولو عدنا الى التاريخ القريب، خصوصاً خطاب القسم للرئيس السابق اميل لحود، يوم قال إنه سيقطع كل يد تمتد الى المال العام، وقد ظهر جلياً حينها أن الغاية كانت الانتقام من الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإنجازاته ونجاحاته الاقتصادية ودوره السياسي الكبير داخلياً ودولياً وعلاقاته الدولية، والتي يتمناها كل مسؤول مهما علا مركزه، يومها تم تلفيق الاتهامات، وسجن رئيس مجلس إدارة استثمار مرفأ بيروت مهيب عيتاني ورئيس اوجيرو عبد المنعم يوسف، كما جرى تلفيق ملفات ضد الوزير السابق الفضل شلق، والرئيس فؤاد السنيورة، ولكن، في النتيجة، فان كل هذه التركيبات فشلت، لان ما يبنى على باطل فهو باطل.

وجميل السيّد لم يوفر الزملاء الإعلاميين، فتطاول على الزميل الكبير هاني حمود بغير وجه حق، محاولاً إلصاق شتى التهم الباطلة به، ولكن القاصي والداني يعلم تماماً صدقية الزميل هاني حمود وإخلاصه لعمله ومهنته، وهو معروف بالصدق والامانة والكلمة الحرة النزيهة.

كنا نتمنى فعلاً لو أن اللواء السيّد بقي صامتاً بانظار ما ستؤول إليه الأمور، ولكن على ما يبدو فإن توقيت مؤتمره الصحافي كان مخططاً له من جهات تخشى وبشدة القرار الظني لمدعي عام المحكمة الدولية، وقد لاحظنا أن الحملة بدأت منذ الاسبوع الماضي من قبل مسؤولين في المعارضة، ومن وسائط إعلام إقليمية، ومن رموز في العهد السابق، ونستطيع ربط هذا بعرقلة تشكيل الحكومة، إضافة الى أحداث في المنطقة، تبدأ من الحرب مع الحوثيين في اليمن، مروراً بالتفجيرات في العراق، وصولاً الى عرقلة الحوار الفلسطيني – الفلسطيني.

… جميل السيّد مثله مثل ذاك الذي يظلم الناس ويسبّح، ويذكر الله ويذبح، ومؤتمره الصحافي جاء ليس لرفع التهمة عن نفسه وحسب، بل للتهجم على الدولة ومؤسساتها، والتشكيك في القضاء اللبناني.

والأغرب من كل ذلك ان اللواء السيّد، وفجأة، يأخذ دور الناصح لرئيس الجمهورية، وقد نسي تماماً ماذا جرى في عهد الرئيس السابق اميل لحود، وهو أسوأ عهد مر على لبنان، ونصائح جميل السيّد أدت الى تداعيات كبيرة وخطيرة، وآخرها كان التمديد، وما جرّ على لبنان من ويلات.

… ثم يذهب، فض فوه، الى الكلام غير المباح على القضاء، ليشن هجوماً على القاضي رالف رياشي والقاضيين سعيد ميرزا وصقر صقر، ويتحدث عن كوبونات بنزين كان يصدرها شخصياً من دون أن يقول لنا هل هذه دولة القانون التي كان على رأسها اميل لحود، وجميل السيّد الآمر الناهي فيها؟!

… معيب هذا الكلام، وهو حملة تزييف بعيدة من الواقع والحقيقة، ولكن السيّد وقع من حيث لا يدري في الخطأ المميت، عندما ألمح الى ان الدولة، التي كان هو أحد أركانها، كانت تعتمد الرشوة، وهي أعلى درجات الفساد.

.. على كل حال، فإن القضاة المذكورين ليسوا بحاجة الى شهادة من جميل السيّد، فهم من أنزه القضاة، ومعروف عنهم نظافة الكف والشغف بالعدالة، وإذا كان جميل السيّد قد ركز هجومه على مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا، فإن ذلك شهادة لصدقية ميرزا، وهو المعروف عنه النزاهة والإخلاص والعدالة.

… ثم يتحدث جميل السيّد عن تركيب الملفات، ويقوم بمطالعته مستشهداً بقضية رئيس اللجنة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" سمير جعجع، والقاصي والداني يعرف دوره شخصياً في تركيب الملفات، وأسلوبه في تلفيق الاتهامات، وهذا ما يشهد عليه الجميع.

وقد تجاهل جميل السيّد عن سابق تصوّر وتصميم أن سمير جعجع سجن في غرفة صغيرة في الطابق الثالث تحت الارض، أليس هذا الاسلوب الوحشي إحدى سمات عهد لحود وجميل السيّد؟

واما كلامه على التعذيب فهو مردود من أصله، لأن كل العالم يعرف ما كان يفعله في مديرية المخابرات، ولديه الخبرة الواسعة في هذا المجال، من دون أن ننسى أن عبقرية السيّد تفتقت عن الطلب من مساجين سجن رومية الثورة والانتفاضة على وضعهم المزري، بينما كان عليه إظهار بطولته في هذا المضمار اثناء وجوده في السجن.

وأيضاً، يا ليت جميل السيّد يقول لنا، هل إن ملايينه من الدولارات في المصارف، وقصره في البقاع، هو من راتبه كمدير عام للأمن العام يا ترى؟

… في مطلق الأحوال، سنبقى في انتظار المحكمة وحكمها، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، ونحن نرد على السيّد بالآية الكريمة {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب}.

المصدر:
الشرق

خبر عاجل