ما وراء الجدار
ليس جبران باسيل نابغة زمانه في الاتصالات. وليست وزارة الاتصالات ضامنة استقلال لبنان وسيادته، عدا أن "حزب الله" وإن زعم البعض حاجته إليها لأمن المقاومة، يعرف أن شبكة اتصالاته لا تقع تحت رعايتها، وكانت شهادته واضحة في 7 أيار 2008، وفاضحة.
ليس تمسك العمّ بالصّهر نزق طفل، يرعاه أهل الأقلية. لكن الجمل بنيّة والجمّال بنية وفق المثل الذي يردده رئيس مجلس النواب نبيه بري. نية الجمل نفاذ عناده النزق، فيما نيّة الجمّال تعديل اتفاق الطائف، وإعادة رئيس مجلس الوزراء وزيراً أول، كما كان في الجمهورية الأولى، أي باش كاتب على قول أهلها، ليقتصر دوره على التوفيق بين مطالب القوى السياسية وتوليد الحكومة بتوجيهات رئيس الجمهورية وبركته.
ذلك هو الهدف المروّج له. لكن المؤدّى الفعلي لما يجري، إن نجح، ليس رفع شأن رئاسة الجمهورية. فما ستعطاه بيد سيجوّف بيد أخرى. والتصويب على الرئاسة الأولى يبعد النظر عن الرئاسة الثانية التي يُحفر لها بالإبرة خندقاً يحصّنها ويزيد صلاحياتها، مرة بالعرف ومرات بالسطوة.
وإلا، كيف يستوي الحرص المزعوم على هيبة الرئاسة الأولى مع نكران "العم" ما تمثله من دور بإلحاحه على مصادرة حقيبة سيادية تختار عادة وزيرها هي وزارة الداخلية؟.
لكأن المارونية السياسية تبدأ برئيس "تكتل التغيير والاصلاح " ولا تمر ببعبدا وساكنها، ولا ترفرف حتى في سماء بكركي، فكيف بالديمان.
وكيف يستوي الحرص على تسهيل مهمة الرئيس المكلف مع التبرؤ من إمكان التوسط مع الحليف المعاند، والمغالي في مطالبه، مع وصفها بأنها حقوق، أي اعتبارها، ضمناً، غير قابلة للنقاش؟
قد يكون لقاء بعبدا في رعاية رئيس الجمهورية بين الرئيس المكلف ورئيس الكتلة النيابية الثانية من حيث العدد، مؤشراً إيجابياً، يحتاج اليه اللبنانيون. لكنه ضروري وغير كاف، خصوصاً أن عناوين تصريحات الساعات التي سبقته، من أهل الأقلية، لم تش سوى بشد أزر المطالب العونية، مرة بتأكيد "ثبات صاحبها على مواقفه" وعدم خضوعه "لأي ابتزاز"، ومرة برمي الحل على أكتاف الرئيس المكلف بزعم "ان الأمر متوقف على قدرته على اجتراح تصور يفضي إلى إعطاء كل ذي حق حقه، بعيداً عن أي رغبة دفينة في الاستئثار والتفرد".
وإذا لم يعط الرئيس المكلف محاوره ما يطلب، أي خمس حقائب وزارية بينها الداخلية والاتصالات، و4 وزراء موارنة بينهم "الصهر" الأشهر، فيكون يسعى إلى "تحقيق أهداف قوى داخلية ليس لها من هم سوى احتكار التمثيل المسيحي وابعاد عون عنه". أي أن نيل الأخير 5 وزراء مسيحيين من أصل 6 ليس احتكاراً، وإذا نقص رقمه عن الخمسة فيكون الآخرون محتكرين، وإن اعترف تكراراً بأنه يمثل 51 في المئة من المسيحيين.
هذه الاتهامات، التي سبقت لقاء بعبدا، تتجنب الاشتباك المباشر مع الرئيس المكلف، وهي وإن حصرها أصحابها في التجاذبات الداخلية، فإن بعضاً آخر منها لم يهمل اتهام البعد الاقليمي، وإن لم يرفع الصوت كثيراً في الاشارة إليه، ربما تحسباً لـ"الطبة" التي ستكشف لاحقاً: إذا تمت تلبية تطلبات ميشال عون فتكون العقدة داخلية، وإذا لم تلبّ (أي لم يجترح الرئيس المكلف حلاً لها) فتكون خارجية. لكن أياً يكن وصف عقدة عون ونزقه، لا يبدو أن الإرادة الطيبة لرئيس الوزراء المكلف تكفي لحلها. فالجدار الذي بادر الأول إلى القول في بعبدا أنه انكسر، يبدو أن ترميمه كان اسرع من الصوت، بدليل أن تلفزيونه اقتطع من تصريح لنائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري فقرة تذكّر بدور رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الدستوري، ليفتعل أزمة في وجه الأول، وينسف بالتالي أهمية لقاء الأمس.
قد يتبرع متفائل بالقول إن اللهجة المتشددة هي من "عدة الشغل" السياسي، وإن الأمور قد تصل الى مرسى يناقض مرفأ انطلاقتها. ولكن سواء ولدت الحكومة نتيجة لقاء بعبدا أم لم تولد، فإن الثابت هو أن الأقلية تحاول فرض أعراف جديدة في العملية السياسية لشرشحة النظام، بدأت في الدوحة وتجري محاولات حثيثة للبناء عليها، تقارب حلم الجمهورية الثالثة أو الجمهورية الثانية BIS، كما قال أحد النواب العونيين. وما معنى مثلاً تكرار الحديث عن الأكثرية الشعبية لنقض الأكثرية النيابية في نظام برلماني مذ وُلدت الدولة اللبناني؟، وما مغزى ان يرفع عنوان يقول بأن رئيس الجمهورية هو الحُكم والحَكم، بينما تحوله مطالب التشكيل منافسا على حقيبة؟
اللبنانيون أمام فترة سماح إضافية لتوليد الحكومة، يعود الفضل فيها إلى رئيس الجمهورية الذي استضاف اللقاء والرئيس المكلف الذي يستمر في مد يد التعاون، فيما فضل الضيف الثاني معلق على ما يبطنه قوله عن كسر الجدار، فوحده يعرف ما وراء هذا الجدار.