8 آذار المحلي والإقليمي كان يراهن على الانتخابات ثم على انفراط الأكثرية للاستيلاء على السلطة وإسقاط المحكمة
المعركة ضد العدالة والنظام مسارٌ واحد والدفاع عنهما مسارٌ واحد أيضاً
دفعة واحدة ـ وليس "فجأة" ـ فُتحت معركتان من جانب 8 آذار السياسي والأمني محلياً و8 آذار الإقليمي. واحدة ضدّ المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى. والثانية ضد "الصيغة" والنظام السياسي.
المعركة ضد المحكمة بدأت عشية الإنتخابات
المعركةُ ضدّ المحكمة الدولية بعنوان أنها سقطت بدأت منذ زمن بعيد. لكنها أخذت دفعاً تزامناً مع إطلاق المحكمة الضبّاط الأربعة في أيار الماضي. ويومَها ـ في أيار ـ أخذ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على عاتقه نعي المحكمة التي تعمل لمصالح إقليمية ودولية كما أشار. إلاّ أن المعركة ضد المحكمة توقّفت عشية الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي، وتوقف الضبّاط عن الكلام خلال هذا الفترة بعد "الفلاش" الذي أتى "يُنبئ" بنيّة إسقاط المحكمة.
.. وتتجدّد بـ"مناسبة" تشكيل الحكومة
ولم يعُد خافياً اليوم، أن المعركة توقّفت من أيار الماضي حتى الأسبوع الفائت، لاعتبارَين لدى 8 آذار المحلي والإقليمي. الأول أنه كانت لدى 8 آذار المحلي والإقليمي قناعةٌ بإمكان تحقيق فوز مريح في الانتخابات، بما يمكّن هذا الفريق من السيطرة على السلطة، وبما يُغني ـ تالياً ـ عن معركة لاحقة ضد النظام لفرض قواعد تناقض ميثاق العيش المشترك والمناصفة. أما الاعتبار الثاني، فهو أن رهان 8 آذار المحلي والإقليمي إنعقدَ بعد الانتخابات على إمكان إلغاء نتائج هذه الانتخابات سياسياً وعملياً عبر فرض شروط على تشكيل الحكومة، ومن طريق إلغاء وجود أكثرية نيابية واضحة، بما يُعفي من معركة مفتوحة ومكشوفة ضدّ النظام.
بيدَ أن الاعتبارَين الآنفَين سقطا. الإنتصارُ في 7 حزيران أسقط الرهان على فوز مريح يتيح سيطرة 8 آذار على السلطة. وتماسك الأكثرية النيابية أسقط الرهان على إخضاع الحكومة الى توازن قوى مختلّ وإلى شروط تمكّن 8 آذار من التسلّط.
ضدّ المحكمة وضدّ النظام
إذاً، كانت معركةُ 8 آذار في الشهور الثلاثة الماضية معركة السيطرة على السلطة لإسقاط المحكمة الدولية.. فأجبر 8 آذار على تحويل المعركة على السلطة الى معركة ضدّ النظام السياسي. وها هي المعركةُ المفتوحة منذ أيام ضدّ المحكمة الدولية تهدف الى إسقاط المحكمة والنظام السياسي معاً. أي أنه لا بد من التعاطي مع المعركتَين بوصفهما معركة واحدة، ومع المسارَين بوصفهما مساراً واحداً: إسقاط النظام لإسقاط المحكمة وإسقاط المحكمة لإسقاط النظام!
8 آذار والأفق المسدود
وليس سراً في هذا السياق أن 8 آذار المحلي والإقليمي يعتبر أن "النظام السياسي" الذي يسود، على الرغم من محاولات تكبيله وتقييده بشروط لا تمتّ بصلة الى أي من الميثاق والدستور، إنما هو بنتيجة إنتفاضة شعبية ضدّ جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، أنتجت إستقلالاً ـ ولو غير ناجز حتى الآن ـ من ناحية وأنتجت محكمة للحقيقة والعدالة من ناحية ثانية. أي أن النظام السياسي السائد صار "أكثر انتماء" الى الطائف أو صارت له إمكانية أكبر للإنتماء الى الطائف "الحقيقي"، وصار في الإمكان إطلاق ديناميات محدّدة لتطبيق الطائف. وبكلام آخر، إن فتح معركتَين دفعة واحدة من جانب 8 آذار المحلي والإقليمي، هو إعلانٌ من جانب هذا الفريق عن بلوغه أفقاً سياسياً مسدوداً لجهة السيطرة سلمياً وديموقراطياً على السلطة، وإعلانٌ تالياً عن نيّة الانتقال الى مرحلة "عملية" جديدة يجب الانتباه جيداً الى أنها شديدة الخطورة.
النظام السياسي الدستوري الديموقراطي والمحكمة الدولية، هدفان متلازمان لـ8 آذار المحلي والإقليمي.
وتكراراً، إن توقيت فتح المعركتَين معاً ليس مفاجئاً، بما أن المعركتَين معركة واحدة. فبـ"مناسبة" تشكيل الحكومة، وإذ يكتشف 8 آذار مجموعة من الاستحالات، يذهب الى المعركة. وبما أن الحكومة إذا جرى تشكيلُها بشكل "طبيعي" من ضمن قواعد الميثاق والدستور لا تُسقط المحكمة، يذهب 8 آذار الى المعركة أيضاً.
التشارك السوري ـ الايراني
لهذه الأسباب جميعاً، يمكن ملاحظة عدد من الأمور.
يشترك في المعركتين ـ أي المعركة الواحدة ـ "الجناحان" السوري والايراني من 8 آذار محلياً وإقليمياً. وكم كان "بليغاً" أول من أمس "إسناد" وزير الخارجية السوري وليد المعلم لأحد أمنيي 8 آذار، اذ اعتبر الأول كلام الثاني عن المحكمة كافياًَ لإعتبارها ساقطة. وكان أحد مسؤولي "حزب الله" هو من إفتتح المعركة ضد المحكمة الأسبوع المنصرم.
المحكمة مسألة أيام؟
ويجدر أيضاً ملاحظة أن 8 آذار، بالإيقاع السريع والكثيف لحملاته ومعركته، أعطى انطباعاً بأن ثمة شيئاً ما داهماً على صعيد المحكمة الدولية لا ينتظر ولا بد من مواجهته. واللافت أن تسريبات إعلامية تزامنت مع المعركة على المحكمة. بعض هذه التسريبات تحدث عن إستعداد سوري لـ"مواجهة" المحكمة. وبعضها الآخر تضمن "معلومات" تتحدث عن مطلب سوري "صريح" قدم الى دولة عربية رئيسية بـ"إنهاء" المحكمة ثمناً للمساعدة على الحل في لبنان.
معركة إستباقية للقرارات الظنية
"الآن" وبصرف النظر عما توحي به المعركة المفتوحة على المحكمة الدولية من احتمال وجود "شيء ما" داهم، وأخذاً في الاعتبار الملاحظات السالفة لا بد من التأكيد على حقيقتين وإستنتاج.
حقيقة أولى هي أن 8 آذار المحلي والإقليمي يعرف أن المعركة على المحكمة لا تعود تنفعه متى صدر عن المدعي العام قرار إتهامي ما او صدرت قرارات إتهامية تباعاً. ولذلك يعتقد 8 آذار ان المعركة الاستباقية يمكن ان تحقق له غايته في منع المحكمة من مواصلة مهماتها.
وحقيقة ثانية هي ان "مناسبة" تشكيل الحكومة، مؤاتية للمعركة والابتزاز.
الجريمة.. والانتفاضة
أما الاستنتاج فهو مركّب. شق اول منه وهو أن المحكمة الدولية ممتنعة على الاسقاط وقائمة ومستمرة. شق ثاني هو أنه إذا كانت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري فجّرت إنتفاضة للاستقلال والعدالة، فان معركة 8 آذار لمنع الحقيقة والعدالة ليست "أقل" من أن تستثير انتقاضة متجددة. والشق الثالث هو انه اذا كانت معركة 8 آذار "تشي" بمرحلة من الاضطراب الامني والعنف، وتعلن أن لبنان مكشوف بهذا المعنى، فإن اللبنانيين في غالبيتهم مصممون على إحباط الهدفين المتلازمين لمعركة 8 آذار، إسقاط المحكمة وإسقاط النظام، بحركة مدنية سلمية تعلن رفض تخيير اللبنانيين بين سلمهم الأهلي وأي أمر آخر، وتؤكد أن الحقيقة والعدالة ضمانتان للسلم الأهلي وأن الطائف والدستور ركيزتا النظام السياسي الجمهوري الديموقراطي البرلماني.