"حتنــدم يا جميل"!!
استخدام هذه الجملة مألوف ومعروف، لطالما سمعناها تتردد في الأفلام السينمائية، أو حتى في إعلان، ولكن على ما يبدو أن اللبنانيين سيسمعونها هذه المرّة، واليوم، وعبر موقف "حقيقي" من مجلس القضاء الأعلى، بعدما بات كثيرون في هذا البلد لا يشربون "حليب السباع" إلا لينفّذوا اعتداءً غاشماً على القضاء اللبناني، وبقدرة "القادر" تحوّلت السلطات في مواقعها المتعددة في هذا البلد إلى مكسر عصا، فقد ذُهلَ اللبنانيون وهم يستمعون إلى ضابط سابق، لم يكن له حقّ التصريح وعقد المؤتمرات الصحافية وهو على رأس جهاز أمني رئيسي في البلد، فكيف وبعد ما "أُخلي سبيله" من توقيف احتياطي ـ بقانون خطط له بنفسه ليفتري على ضحاياه ويبقيهم موقوفين ـ على ذمة التحقيق في جريمة وصفت بجريمة العصر.. من أين يأتي البعض بهذه "العين الجقمة"، فينبري للتشويش على "المحكمة الدولية" ظنّاً منه أنّ مفعوله القديم ما زال مستمراً، والأنكى أنه يتصوّر أن مفعوله الآن يوصل إلى لاهاي..
بنفس أسلوب التضليل والتهديد والتهويل الذي أطل به ذات يوم على اللبنانيين من العام 2005 متهماً كل السياسيين بالفساد والميليشاوية، وعلى الطريقة الاستخباراتيّة مهدداً بفتح ملفات الكلّ، أطل الضابط السابق جميل السيد يوم الأحد الماضي، متجاهلاً أن اللبنانيين ما زالوا يذكرون حملته الإعلامية الشهيرة العام 2000 على الرئيس الشهيد رفيق الحريري: "وأنت فالل".. ولا تلك الأغنية التي أوعز بتنفيذها لتأليب الرأي العام ضد الرئيس الحريري عام 2004، حتى الفن والفنانات والفنانين استخدمهم جميل السيّد، فهل يظنّ أننا نسينا ذلك المشهد لقلب المدينة يعصف به الفراغ تحت عنوان :"ليش مغرّب".. أم تراه يظنّ أننا نسينا "حليفه" في تدبيج الملفات"عدنان عضوم" أم قاضيته الرديفة "ربيعة قدورة"، أم حفلة تهمة الرشوة الانتخابية و"تنك الزيت" قبيل اغتيال الرئيس الشهيد بـ 48 ساعة فقط!!
البعض لم يكتشف بعدما مدّة صلاحيته بالتخويف والتهويل وبدونهما أيضاً انتهت، وأن "زمان الأوّل تحوّل" عند اللبنانيين الذين أقلعوا عن الخوف، أم أن الذين "استعملوه" كبالون اختبار منتفخ للهجوم على المحكمة، لأنها عقدة العقد، يظنون أن مدة صلاحيته لم تنتهِ بعد، خصوصاً الذين يدّعون منذ العام 2005 وهلمّ جرّاً أن المحكمة لا تعنيهم، ومع هذا يحورون ويدورون، ويشدّون ويقدّون، ليقعوا أخيراً في فخ الهدف الذي يدّعون أنه لايعنيهم.. والبديهي بالنسبة لأيّ مواطن، أن من لا يعنيه أمر لا يكترث له كلّ هذا الاكتراث ولا يشنّ عليه كلّ هذه الحروب، أما أطرف ما سمعناه فكان أن حقّ مطالبة سعد الحريري بالمحكمة سقط، متجاهلين أنها مطلب الشعب اللبناني كلّه منذ 14 آذار العام 2005، فبحسب الناطق بلسان الخائفين من المحكمة:"سقط حقّك وفريق 14 آذار في المحكمة عندما قبلتم أن تخرّبوا البلد، فلا يحقّ لك التكلّم بالمحكمة الدولية قبل أن تحاسب الذين زوّروا، ورغماً عن إرادتك عليك احترام قرارات المحكمة الدولية، فمنذ أربعة أشهر حرّرتنا المحكمة من دون قيد أو شرط، وأعلنت أنّ كلّ التحقيقات دون صدقية"!!
هل هناك أوقح مما سمعنا عندما يخاطب ابن القتيل بالقول: "سعد الحريري أنت قاتل أبيك الى ان تحاسب من ضللوا التحقيق".. أو أن يقال لابن القتيل بأنه: "مع الاسف مساهم في الاغتيال الثاني لوالده وعندها لن يكون هناك معنى لذهابه الى ضريح والده ليضع له نسخة عن تشكيل المحكمـة الدوليـة او نسخـة عـن مرسوم تأليف الحكومة القادمة، عندها سيكون حراماً هذه السخرية من رفيق الحريري فـي قبره"…
من الذي يتحمل مسؤوليّة إلقاء هذه "التفاهات ـ القاذورات" في وجه اللبنانيين والجسم القضائي والصحافي والرئاسي والسياسي والروحي، كلّو على بعضو؟ المسؤول الوحيد هو القضاء، فلو تحرّك القضاء منذ المرّة الأولى التي قال فيها للضابط المُخلى سبيله "عقله" أن بإمكانه أن يشتم من يشاء فهناك حزب يرعاه ويحميه، متناسياً أنه مخلىً سبيله مع رفاقه وبحسب نصّ قرار قاضي المحكمة لعدم كفاية الأدلة ضدّه، وأنّ المحكمة قد تعود وتطلب توقيف كل الذين أطلق سراحهم متى أصبح بحوزتها أدلة كافية لتوجيه التهمة لهم".. هل قرأوا نصّ قرار إخلاء سبيلهم؟ أم أنهم يظنون الناس لا يقرأون، أم أنهم بالفجور والصراخ والشتم سيغسلون أدمغة الناس؟!
تأملوا ملياً في مقدمات هذه النهاية، فهذا الضابط السابق الذي "حكم البلد بإجرو" ذات يوم لسنين طويلة، بات اليوم يتساوى في المقام والمقال مع "قنديل البحر السابق"، أو مع "الطبل الأجوف السابق"، ومثله مثل أي واحد من أولئك الذين كانوا "يَحْفُون" على بابه ويطلبون رضاه.. وبعد سنرى المزيد فيهم من آيات الله وتصاريفه، علّ هناك من يتعظ بنهاية كلّ متكبّر جبار وظالم.. عندما كان الضابط السابق قابعاً في زنزانته "الفايف ستارز أو العشرة" لا نعلم، وكان "نازل" كتابات وردود و"وقحنة" على كل صحافي يتجرّأ على تناوله، فيشتم هذا، ويهدد ذاك، ويتطاول على ذياك ظنّاً منه أنّه "العليّ الحسيب" من كثرة تجبّره، ثمّ يتقدّم بالدّعاوى أمام القضاء نفسه الذي "بهدله وشتمه" متهماً قضاته بأنه كان يشتريهم بـ "بونات بنزين" ولم يتردد في وصف كبارهم بـ"الزعران"!!
وما يزيد سخرية الضحك في نفس كل من استمع إلى الضابط "المخلى سبيله" ـ رمز العدل والإنصاف والعفّة ومخافة الله سابقاً ـ والذي يطالب اليوم بـ: "المحاسبة حتى لا يتجرّأ مستقبلاً أي قاض مثل هؤلاء، او أي ضابــط مثلهم، او أي صحافي أو سياسـي، فيدبّرون لأخصامهم، عند أوّل تحـول سياسي في لبنان مستقبلاً، شهود زور وتهماً ملفقـة كمـا فعل هؤلاء (…)"!!
فإذا كان رؤوس القضاء مُلفقين ومُزورين، "بلّلا على شو رافع هالدعاوي هو وابنه ـ الذي يترافع أمام نفس القضاة الذين يشتمهم والده ـ على خلق الله أمام هذا القضاء العاطل"؟!!
اليوم، ينتظر اللبنانيون من مجلس القضاء الأعلى أن يضع حداً لكل "أرطة حنيكر" الشتامين البذيئين،الذين يستخفون بمشاعر اللبنانيين وشهدائهم ويتكلون على هزّ ثقتهم بالعدالة متجاهلين أنها بالنسبة لهم جزء لا يتجزأ من ثقتهم بالله الذي لا تضيع عنده الحقوق، فكيف إذا كانت هذه الحقوق "دماء شهداء"…و"جايي المحكمة" مهما أرغوا وأزبدوا كالإبل الهائجة، ومهما فجروا، "جايي المحكمة"…