#adsense

مجد لبنان اعطي له … وله وحده

حجم الخط

مجد لبنان اعطي له … وله وحده
المحامي جورج ابو صعب

من المؤسف حقا ان تصل مستويات البعض مع اجلالنا واحترامنا لموقعهم الديني والفقهي الى مرحلة من التجهيل ومحاولة انكار التاريخ والماضي والحاضر والمستقبل – وقد كنا نربأ برجل مستنير ومفكر وعلامة مثل السيد محمد حسين فضل الله ان يتعرض لمقام البطريركية المارونية وصاحب الغبطة مار نصر الله بطرس صفير – الكلي الطوبى – بمثل هذا الموقف المفجع والمنفلت من الضوابط العلمية والتاريخية والموضوعية.

فاذاء ما صدر عن السيد محمد حسين فضل الله من اساءة كبرى للبطريركية المارونية ولصاحب الغبطة يهمنا ان نذكر العلامة السيد فضل الله بالحقائق التاريخية والسياسية التالية :

اولا : اعتبر البطريرك الماروني عبر التاريخ رمز السلطة الادبية والزمنية في امته وقد ذهب الفرنسي موريس باريس Maurice barres الى حد اعتبار البطريرك الماروني السلطة الادبية الكبرى في الشرق الادنى .

Le Patriarche Maronite est la plus grande autorite morale dans le proche orient (P.Hobeika-Amitie franco-libanaise – p.10- Beyrouth 1936)

يقول المغفور له الدكتور شارل مالك في احدى محاضراته عن دور الموارنة في الشرق : " اهمية بكركي الهائلة ان لبنان القوي لا يستطيع ان يخلصها اذا كانت هي ضعيفة – اما بكركي القوية الراسخة – النابضة – معنويا واجتماعيا فتستطيع بمفردها ان تخلص لبنان – مهما خار وضعف "(شارل مالك – الطاقات المارونية – خطاب في ندوة المارونية ولبنان – معهد الرسل – جونيه – 19 ايار 1974 )
وكتب الباحث والكاتب شوقي خير الله في مجلة "الجمهور" عام 1973 " ان بكركي هي ملك عام – حضاري وقومي للبنان ولغير لبنان – وانها خميرة من خمائر المشرق والنصرانية والعروبة – انها معقل حضاري عتيق – لا طائفي ولا لطائفة – في مشع انطاكية كله ( شوقي خير الله – بكركي وميليشا الملكوت – مجلة الجمهور – السنة 37 – عدد 971- 25 الى 31 كانون الثاني 1973 – ص. 7) .

ثانيا : في 4 حزيران 1919 اصدر مجلس الادارة في بعبدا قرارا تضمن تشكيل وفد لبناني برئاسة البطريرك الياس بطرس الحويك – الى مؤتمر الصلح المنعقد في باريس للمطالبة باستقلال لبنان الكبير بحدوده الطبيعية استقلالا تاما اداريا وسياسيا – وقد توصل الوفد – بعد فشل الوفد الاول برئاسة داوود عمون – الى اقناع الحكومة الفرنسية بجدوى الفكرة اللبنانية وضرورة تجسيدها في دولة مستقلة موسعة بحدودها – وقد حدد غبطة البطريرك الحويك في تصريح صحفي له بتاريخ 22 اب 1919 اهداف سفره الى باريس بالاتي :

– المطالبة باستقلال لبنان المطلق الذي يستحقه وله الحق به .

– المطالبة باستعادة لبنان حدوده الطبيعية والتاريخية على الشكل الذي رسمتها هيئة الاركان الفرنسية في الخريطة التي وضعتها عام 1861

وقد ثابر البطريك مع الوفد مدة 3 اشهر على متابعة المساعي الحثيثة مع المؤتمرين على طاولة الكبار والحلفاء المنتصرين وفي 25 تشرين الاول 1919 رفع الوفد بتوقيع البطريرك الحويك مذكرة ابرز ما جاء فيها :

"… ان البطريرك الماروني – رئيس الوفد اللبناني الى مؤتمر الصلح والعامل باسم حكومة لبنان ومجلس ادارته – الذي اوكله بذلك – وباسم اهالي المدن والارياف اللبنانية – الذين يطالبون على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم بالحاقهم بالوطن اللبناني … بان يلتمس من سامي عدل اصحاب السعادة الممثلين المفوضين للدول الحليفة والشريفة اعضاء المجلس الاعلى في مؤتمر الصلح :

اولا : الاعتراف باستقلال لبنان المعلن من حكومة وشعب لبنان في 20 ايار (مايو) 1919 .

ثانيا : اعادة لبنان الى حدوده التاريخية والطبيعية وذلك بارجاع اليه الاقاليم التي سلختها تركيا عنه …"

وفي 10 تشرين الثاني 1919 تسلم البطريرك حويك من رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو رسالة اعتبرت عهدا استقلاليا لقيام لبنان الحديث ومن اهم ما جاء فيه :

"هذه المحادثات (ويتكلم عن تلك التي اجراها البطريرك مع المسؤولين الفرنسيين) اكدت لكم بان الحلول التي نسعى اليها في مؤتمر الصلح – انما هي بمجملها – متوافقة مع اماني الاهالي الذين انتم ممثلهم السامي … ان رغبة اللبنانيين بان يحتفظوا بحكومة قائمة بذاتها وبنظام وطني مستقل – تتوافق تماما مع تقاليد فرنسا الليبرالية … فبمؤازرة ومساعدة فرنسا وبالاستقلال عن اية جماعة قومية اخرى فان للبنانيين الضمانة بالمحافظة على تقاليدهم وبترقية مؤسساتهم السياسية والادارية وبالاسراع في انماء كامل لبلدهم … ولكن فرنسا التي عملت كل ما امكنها في سنة الستين لكي تحقق للبنان اقليما اوسع لا تنسى بان ضيق الحدود الحالية انما كان نتيجة الظلم الذي رزح تحت وطأته طويلا … اني على يقين باعطائي لكم هذه الضمانات باني البي المشاعر التي دفعت اهالي لبنان الي … وتفضلوا سيدنا بقبول تأكيدات اعتباري السامي – جورج كليمنصو.

فهذه الوثيقة اعتبرت من كافة المؤرخين بمثابة الوثيقة الاساسية التي نجم عنها انشاء لبنان الكبير ( مذكرات سامي بك الصلح – صفحات مجيدة في تاريخ لبنان – اربعة اجزاء (1890-1960 ) – مكتبة الفكر العربي – 1960 ) والاستاذ منير تقي الدين – ولادة الاستقلال – دار العلم للملايين – بيروت – 1953 )

ثالثا : يجمع جميع المؤرخين والعلماء القانونيين والسوسيولوجيين والتاريخيين على ان نواة لبنان – بوحدته التاريخية انما هي في جبله وهي الخاصة التي ستبقى ملازمة لتطوره مدى القرون – فالجبل ما برح يحتل مركز الثقل في كيانه على الاخص في الحقول السياسية والاقتصادية والادب على اختلاف الطوائف وفي طليعتها الطائفة المارونية التي وبقيادة البطريركية رفعتها مساهمتها الحاسمة في قرار كيان الدولة اللبنانية في بداية عهد الانتداب الى مرتبة المحور التي تدور حوله كل حركة وتقرير ( دائرة المعارف للدكتور فؤاد فرام البستاني – المجلد التاسع والثامن ).

وقد شرع الموارنة في القسم الثاني من القرن السابع باللجوء الى اعالي لبنان في الشمال هربا من موجات الاضطهاد التي ارادت الاستيلاء على لبنان القديم بدءا من الروم واضطهادهم لهم وصولا الى العثمانيين – فيما طوائف اخرى كالجراجمة او المردة كانت قد نزحت الى جبال لبنان الجنوبي من جبال الامانوس وتبعهم من ثم اقوام من المخالفين لاهل السنة من دروز وسواهم بالاضافة الى بعض العشائر العربية الاتية من الجنوب والشرق .

والبطريركية المارونية وشعبها الماروني تعاملوا بكل ديبلوماسية مع الوجود الصليبي في جبل لبنان ما دفعهم الى عدم دخول لبنان وتجنيبه المواجهات بين الصليبيين والطوائف الاخرى كافة – فاثر الصليبيون الاكتفاء بالتمركز في بعض مسالك لبنان واقامة القلاع في اعالي منحدراته – من هنا كانت بداية الصداقة التقليدية بين الموارنة والغرب وخاصة فرنسا – استغلها الموارنة في سبيل حماية لبنان من اي غزو او اية حملة عليه وعلى اهله – وكانت البطريركية المارونية الحامية والقائدة الرائدة للشعب اللبناني تجاه الصليبيين .

والبطريركية المارونية هي التي طالبت بعودة الامير بشير الثاني لضمان عودة الاستقلالية اللبنانية الفريدة في وجه محاولة تركيا انهاء الامتيازات المارونية الدرزية في جبل لبنان والقضاء على الحكم الذاتي ونظام الامارة .

وقد كان للبطريركية المارونية اليد الطولى في اجبار السلطنة العثمانية على وضع نظام خاص عرف بنظام القائمقاميتين على اساس الاقتراح النمساوي الذي اعتمده مؤتمر اسطنبول في 27 ايار 1842 (بين سفراء فرنسا وبريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا ) لحل المشكلة اللبنانية – كما ان البطريركية المارونية استمرت على مدى السنوات والحقبات سواء مع القوى العظمى او الاباطرة الغربيين في تدعيم اسس الهوية اللبنانية المستقلة رغم الثورات الداخلية في 1840 و1860 وثورة الفلاحين داخل المجتمع المسيحي اللبناني – بحيث بقي البطريرك صمام الامان لمنع استضعاف لبنان والدخول من باب الفتن الى عمق الداخل اللبناني والقضاء على الذاتية الكيانية للبنان المستقل .

رابعا : ونختم بالاشارة الى ما جاء في شرعة العمل السياسي في ضوء تعاليم الكنيسة وخصوصية لبنان – (ص.12) : " العمل السياسي هو الطريق الصعب لعيش الالتزام المسيحي في خدمة الاخرين " – فمن منطلق هذا المبدا وبعد ما عرضنا لابرز ما نراه من نقاط جوهرية – نأمل من العلامة السيد محمد حسين فضل الله ان يعود عن خطأه الكبير الذي اقترفه وان يعتذر من الكرسي البطريركي الماروني للاساءة التي الحقها موقفه المفاجئ وغير العلمي وهو الذي لطالما عرف بعلميته وموضوعيته النسبية – نستطيع ان نؤكد له وللتاريخ وعلى رؤوس الاشهاد ان مجد لبنان فعلا أعطي له … وله وحده … وعذرا للصراحة … المؤلمة .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل