مجد لبنان أعطي له ومن بعده لم يعطَ لسواه
إستغرب العديد من اهالي لبنان تصريح احد المراجع الدينية المرموق موقعها شرعا ورصانة الذي تناول به مقام البطريركية المارونية محاولا بقوله هذا نزع ما اتصف به هذا المقام، على مر العصور، عن استحقاق وممارسة لان مجد لبنان الذي من دونه لم يكن ليتحقق في زمن من الازمان حتى في زمننا الراهن.
واذا كانت الذاكرة التاريخية لا يعرفها البعض او يتنكر لها البعض الآخر نستعيد مع هؤلاء كلهم ما صنعته البطريركية المارونية مع اتباعها مما ينعم به كل من ارتضى ان ينتسب الى لبنان بالمواطنية ولو تسمية.
عندما قرر العثمانيون خلال نيف واربعمئة سنة تتريك الشرق العربي مانعين انتشار المدارس التي تعلم اللغة العربية، تحدى المسيحيون في لبنان وفي طليعتهم اتباع البطريركية المارونية هذا المنع فأنشأوا المدارس واستعملوا اول مطبعة في الشرق العربي تطبع الكتب العربية لينشروها بين الناس على حساب لغتهم الاصلية الآرامية السريانية.
وعندما نعمت مصر بشيء من الانعتاق من ضغط الحكم العثماني انتقل اليها المسيحيون واكثرهم من الموارنة امثال آل بركات وآل زيدان وسواهم حيث ساهم اللبنانيون، وان لم نقل، تواضعا، انفردوا في اطلاق النهضة العربية عندما اسسوا ونشروا الصحف والمجلات ودور الثقافة ولا حاجة الى الاسترسال في تعداد انجازات هؤلاء التي يعرفها القاصي والداني مع اسداء النصيحة الى من يجهلها بمراجعة التاريخ الذي يُحتكم اليه عند بروز اي إشكال حول مسألة ما.
وان سلاطين بني عثمان لم يبخلوا بتقدير الموارنة لمساهمتهم في كل ما هو تقدم ورقي مميزين بطريركهم الذي كان الوحيد بين رؤساء الملل يباشر فور اختياره ممارسة صلاحياته دونما حاجة الى صدور "الفرمان" الشاهاني للسماح له بتلك الممارسة، فكان درع التثبيت "البابوي" يكفي لاضفاء الشرعية على اختياره بطريركا على الملّة المارونية.
ولماذا ننسى التاريخ الذي يقول بان لبنان وجد وطنا للموارنة الذين صنعوه كدولة ذات كيان بحدوده الراهنة مستعدين مضمون محاضر معاهدة فرساي التي تشير الى مواجهة غبطة البطريرك الياس الحويك الماروني الوكالة اليهودية ذات النفوذ البارز في المحافل الدولية التي كانت تصر على جعل حدود فلسطين تصل الى نهر الاولي، وفي اسوأ الاحتمالات، الى نهر الليطاني طمعا بالارض الخصبة وبالمياه الغزيرة لتجعله مشمولا بوعد بلفور المشؤوم، فتمكن غبطته بعناده وبدالته على فرنسا آنذاك وخصوصا برفضه ضم وادي النصارى في سوريا الحالية الى لبنان مقابل التنازل عن الجزء الذي يحمل اليوم تسمية الجنوب ليجعل لبنان في حدوده الحالية ينعم بالعيش فيه كل ساكنيه عوض ان يكون الآن هؤلاء من عداد "حماس" او "فتح" او لاجئين في كل اقطار الدنيا من دون هوية ومن دون وطن.
سبق لنا ان كتبنا عن التعددية والعددية وقلنا نعم للاولى ولا للثانية لان المجتمعات غير المتجانسة عرقا او دينا او اقتصادا تلجأ الى اعتماد التعددية في ادارة دفة الحكم فيها لتؤمن استقرارها. وان هذا ما فعلته الولايات المتحدة الاميركية عندما وضعت في دستورها نصا، لم تحد عنه حتى يومنا هذا، يعطي كل ولاية ان تتمثل في مجلس الشيوخ بشيخين بصرف النظر عن اي اعتبار عددي او اقتصادي او مالي لكل ولاية فأوقف هذا النص التعددي حرب الانفصال ليجعل الدولة تنعم بالاستقرار.
لذلك اذا كان في لبنان من يهدد بالعدد تمهيدا لتغيير تركيبة النظام اللبناني التعددي الذي اقره الطائف لجهة المناصفة فليقلها بالصوت العالي وبالفم الملآن حتى تعرف كل فئة كيف تتصرف وكيف تتدبر امرها مع التذكير، ليس تبجحا انما موضوعيا، بانه اذا احرج المسيحيون وفي طليعتهم الموارنة بالعددية عوض التعددية فإنهم سوف يتنصلون من دون شك او تردد من اية تركيبة ايا تكن ليكون لهم لبنان الذي يطمئنهم ويؤمن لهم الاستقرار السياسي والامني مع الامل المرجو بكل صدق ومحبة في الا تستيقظ عندئذ مطالب الجيران بما يكون قد تبقى من لبنان هذا لتسترد سوريا ما يتاح لها استرداده من الاقضية الاربعة وليحاول الصهاينة تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في زمن معاهدة فرساي بفضل من اعطي مجد لبنان له فيقضموا ارضا يضمونها الى ارض سبق لهم ان اغتصبوها من اهلها وسكانها على مرأى من العالم بعض منه متآمر وبعض آخر متغاض والكل عاجزون عن وقف العدوان.
وقانا الله مصيرا كهذا ضارعين اليه ان يُهدي الجميع الى الوفاق والوئام لئلا ينهار الهيكل على رؤوس الجميع فيكون اكبر الخاسرين من يتصور ان الانهيار لا يطاله.
بقلم المحامي ميشال خطّار – نقيب المحامين في بيروت سابقا