ولكـــــن…
مَنْ لا يعرف، مَنْ لا يقول في اليوم الواحد سبع مرات سبعين مرة إن البلد في أشدٍّ الحاجة الى حكومة تنتشله من حال الضياع والبلبلة والشائعات والتسريبات التي تزايد نشاطها في الفترة الأخيرة؟
آخر لبناني، آخر مواطن عادي بسيط في آخر ضيعة، في آخر دسكرة، يكاد يقول لزجّالي السياسة وهم يتساجلون على الشاشات كفوا عن هذا اللهو، ودعوا القيادات والمرجعيات تتحمّل مسؤولياتها الوطنيَّة، وتقوم بأبسط واجباتها تجاه لبنان.
وبما هو في خانة أضعف الإيمان.
حتى لو كان الجواب الضمني، والذي لا يفرجون عنه ولا يدعونه يغادر صدورهم، أن على الكتف حمَّالا، وان تقاطع الصراعات والمصالح الاقليميَّة والدوليَّة هو الذي يمدُّ يده الى الطبخة الحكوميَّة.
صحيح أن في هذا الجواب الافتراضي ما ينطبق عليه القول انه عذر أقبح من ذنب، إلاّ ان العرقلات، والتعجيزات المفتعلة تكاد تُسفر عن نفسها، وتستعين بذاك المريب الذي كاد يقول خذوني.
واضح وضوح الشمس والرؤية الصافية الى قمر ابن اربعتعشر، ان في الأمر أيدي، وطبَّاخين، وقوى خارجيَّة متحالفة جداً مع قوى محليَّة لا تريد للبنان أن يتغلَّب على محنته، أو يتمكَّن من الخروج من هذه الحلقة المفرغة.
وفي اعتقاد المعطٍّلين والمعرقلين ان من شأن هذه الأساليب والمحاولات دفع رئيس الوزراء المكلَّف سعد الحريري الى الضجر، أو اليأس، أو الاستسلام للشروط والمطالب في النهاية، أو الاعتذار.
وهذا المخطَّط "الضمني"، الذي تقيم المحكمة الدوليَّة والقرار الاتهامي في صميمه، يدركه الرئيس الحريري جيداً، ويعمل حساباته منذ اليوم الاول على أساس الاحتكام الى الصبر والتعقُّل والحكمة، وعدم التنازل عن أي حرف أو فرسخ من المسلمات الوطنيَّة والتي تقيم عنده في خانة المبادئ الأساسيَّة.
لكنه لن يقف مطرحه مكتوفاً، منتظراً الفرج من غيمة هارون الرشيد.
ولن يتراجع عن بذل كل الجهود، وطرح المبادرات المنفتحة في اتجاه أصحاب الشروط، آملاً في التوصل الى قواسم مشتركة تساهم في ازالة الحواجز المنتشرة في طريق حكومته التي ما زالوا يحولون بينها وبين الصورة التذكارية.
هذا ليس كل شيء بالطبع.
ولا كل العوامل والأسباب.
لذا نجد الرئيس ميشال سليمان، ومن موقع مسؤوليّاته الدستورية، يحضُّ المرجعيّات والقيادات السياسيَّة "على اتخاذ مبادرات بناءة وهادئة، وبعيداً من التشنج، لتسهيل تأليف الحكومة".
وخصوصاً على أبواب استحقاقات تتصل بالوضع الاقليمي بكل أزماته، وعلى مسافة أيام من موعد سفر الرئيس الى نيويورك، وعلى مشارف صدور اعلان مهم عن الامم المتحدة قد يعيد اطلاق دينامية عملية السلام في المنطقة.
حتى المنسٍّق الأعلى للسياسة الخارجيَّة والأمن في الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا وجد نفسه يلحُّ على اللبنانيين للاسراع في تأليف الحكومة، وقبل انعقاد الجمعية العمومية.
في هذه الاوضاع والحالات، كان يطيب للرئيس صائب سلام القول: لقد أسمعت لو ناديت حيّا، ولكن لا حياة لمن تنادي.