مأزق العلاقات السورية – العراقية و"مقولة معاوية": "لا تحكم الشام إلا بهلاك العراق.. ولا يحكم العراق إلا بهلاك الشام"!!
تتفاقم الأزمة بين الدولتين السورية والعراقية، والاتهامات التي وجّهها العراق لسورية تُعتبر فوق العادة في تاريخ العلاقات التي كانت غالباً سيئة واتخذت طابع الصراعات الدموية بين "البعثين" العراقي والسوري، وذيّل العراق اتهاماته بتلويح المطالبة بمحكمة دولية تحقق في تفجيرات آب الدموية في بغداد، هكذا اتهام وهكذا خطوة، لا تنقص الملفّ السوري الشائك، والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان تقضّ المضجع السوري، وهي تتناول التحقيق ومحاكمة من سيتهمهم القرار الظني بجريمة "إرهابية"، فعندما يلوح "هوشيار زيباري" بمحكمة دولية تنظر في تفجيرات بغداد واتهام سورية بإيواء ورعاية ورفض تسليم من تتهمهم السلطات العراقية بأنهم المخططين لهذه التفجيرات، نكون أمام تهمة قد تصل إلى حدود "دولة راعية للإرهاب" وهي تهمة تجهد سورية لإبعاد إلصاقها بها وتبييض صفحتها مع المجتمع الدولي، أو قد تذهب الأمور إلى ما هو أسوأ من ذلك في تفجيرات استهدفت مدنيين، ما يعني رعاية ارتكاب جرائم ضد الإنسانيّة…
وحتى الساعة تعاملت سورية مع هذه الأزمة تماماً مثلما تعاملت مع جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، نفس الجملة يتكرّر استخدامها: "لا يوجد دليل واحد على تورط سورية" والجملة بحدّ ذاتها كأنها توحي بكلام واثق من عدم وجود دليل ضدّه، بمعنى آخر كأنه يقول: "هذه جريمة اغتيال كاملة".. الطلب نفسه يتكرّر في العراق، ترفض سورية تسليم متهمين بتدبير التفجيرات، وتسمح بتدهور علاقتها في العراق إلى هذا الحدّ، فيحتدم السؤال: لماذا هذا الرفض؟ ولماذا تكرّر سورية حديثها عن الأدلة؟ ولماذا ترفض سورية حقّ العراق في مطالبتها بتسليم متهمين تسمّيهما سورية "لاجئين معارضين"، في ما تزجّ بمعارضي الرأي السوريين في سجونها، و"تحاحي" على معارضي العراق؟! لماذا ترفض أن يلجأ إلى لبنان معارضون سوريون وتعتبر الأمر مسّاً بأمنها، في ما تقبله على نفسها في سياستها مع العراق..
هي تجربة مستعادة، وقد تتكرر، منذ "كارلوس" الذي تمت المقايضة عليه وإخراجه إلى السودان جاهزاً مع سيناريو القبض عليه، إلى عبد الله أوجلان الذي تمّ تسليمه بعدما تحرّكت حدود الأناضول، يومها حكمة الرئيس الراحل حافظ الأسد، تعرف وتتقن اختيار اللحظات المناسبة، وهذه موهبة استراتيجيّة فقدتها سورية بفقده..
تعاملت سورية بالخطابات مع أزمتها المستجدة مع العراق، فالقول أن الاتهامات "لاأخلاقيّة" لا تقود إلا إلى التأزم، ويزيد الأزمة تعقيداً ضبابية الاتهامات السورية للحكومة العراقية، فالثانية تهدد بمحكمة دوليّة وتتحدث عن متورطين وأدلّة واعترافات، في ما الخطاب السوري كالعادة يلجأ إلى خطاب التسييس، فبالأمس اتهمت سورية الحكومة العراقية "بتوظيف حادثة تفجيرات الأربعاء الدامي للمطالبة بتسليم معارضين عراقيين لاجئين في البلاد ترفض حكومة رئيس الوزراء المالكي إشراكهم في العملية السياسية في العراق"، وهكذا كلام يصدر عن دولة بحقّ دولة مجاورة لا يُقرأ في السياسة إلا تدخلاً في سياسات الحكم في داخلها، ومحاولة فرض سيطرة ما على العملية السياسية في العراق.. فشلت الوساطة الإيرانية، فأمام منوشهر متكي وزير الخارجيّة الإيراني، هدد وزير الخارجية العراقي باللجوء إلى الأمم المتحدة، وفشلت أيضاً الوساطة التركية، فبحسب الرواية السورية لأن "بعض المسؤولين العراقيين قدموا لسورية عبر وزير الخارجية التركي ما لا يمت بصلة للتفجيرات الأخيرة"، وهذا يعني أن سورية تولت التحقيق ووصلت إلى نتيجة وأصدرت حكم براءة بحق المتهمين..
عملياً لا يحتاج أي متابع لتاريخ العلاقات بين سورية والعراق لاكتشاف أنها كانت في أغلب فترات تاريخها علاقة صراع وليس تعاون فمقابل كل فترة من الوفاق والتعاون بين البلدين كانت توجد مراحل من العداء الطويل والممتد، توتر وصراع منذ تاريخ العصر الإسلامي وتاريخ أهل الشام وأهل العراق، وواقع العلاقات بين البلدين في العصر الحديث لم يتغير كثيراً، منذ الخلافة العثمانية، وفي أواخر خمسينات القرن الماضي في عام 1958 اقيمت الوحدة بين مصر بقيادة عبد الناصر وبين سورية وكان النظام الملكي في العراق معادٍ لهذه الوحدة فحدثت قطيعة بين البلدين وسادت حال من التوتر والمؤامرات علاقتهما استمرت حتى سقوط النظام الملكي العراقي بعد ثورة تموز 1958..
حكم حزب البعث العراق عام 1968 وحكم في سورية عام 1970 إلاّ ان العلاقات بين البلدين ازدادت عدائية، لأن "البعثين" السوري والعراقي اعتبر كل منهما نفسه الممثل الحقيقي لحزب البعث أما الاخر فليس أكثر من منشقّ عن المبادئ الأساسية للبعث ..
أما في حرب اكتوبر 1973 التي اشترك فيها الجيش العراقي بفعالية على الجبهتين المصرية والسورية على رغم أنه لم يتم ابلاغ العراق بموعد الحرب بل سمع بها من الاذاعة وكان لمشاركة الجيش العراقي دور فعال في حماية دمشق من السقوط بيد القوات الاسرائيلية التي وصلت الى مشارفها، وفي طريق عودتها الى العراق لم تسمح القيادة السورية بمرور القوات العراقية في دمشق..
عام 1978 وبعدما عقدت مصر اتفاقية كامب ديفيد حدث تقارب بين العراق وسورية لعزل مصر عربياً، وعقدت بين سورية والعراق اتفاقية العمل المشترك وتم توحيد بعض المؤسسات في خطوة أولى للوحدة الكاملة بين القطرين غير أن بعض الأطراف في القيادة العراقية، خصوصاً نائب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك صدام حسين ومؤيديه أعلنوا عن وجود مؤامرة ضد نظام الحكم اشتركت فيها أطراف من داخل القيادة العراقية وبتأييد من سورية وأن الغرض منها ان يكون الرئيس السوري حافظ الاسد رئيساً للدولة الموحدة، وأعقب هذا قطع العلاقات كافة بين البلدين بما فيها امكان سفر مواطني كل من البلدين الى الآخر.
ثمة إشكالية تاريخيّة تحكم العلاقات السورية – العراقية، وفيها منسوب العداء أعلى بكثير من منسوب "شعارات العروبة والقومية العربية والوحدة العربية الصدئة والتي قيل دائماً أن وحدة البلدين أمنية البلدين في ضوء الازمه الراهنة واتهام العراق لجارته سورية التي وجدت نفسها في مأزق كبير من حيث لم تحتسب، فالخلاف حول لبنان ومعه هيّن عليها بل هي تتقن فنونه منذ عقود، ولكن مع العراق لم يعد اليوم صدام الطاغية في الحكم، ولم تعد سورية تكنّ العداء للبعث العراقي بل تمنحه حقّ اللجوء على أرضها، لطالما كان العراق وسورية ومنذ بداية تحوّل الخلافة الإسلامية إلى ملكٍ ووراثة ساحة لصراع متبادل عبر عنه داهية العرب الشهير بحكمة "لو كان بيني وبين الناس شعرة لما قطعتها"، هو نفسه "الذي ذهبت شعرته مضرب مثلاً في أحياء العرب، معاوية بن ابي سفيان قال أيضاً قولته الشهيرة: "لا تحكم الشام إلا بهلاك العراق، ولا يحكم العراق إلا بهلاك الشام"!!