المحكمة وحوار دمشق المتعثر مع الغرب
من يأكل العصيّ ليس كمن يعدّها
تتزايد وقائع الفوضى والإرهاب وتبادل الاتهامات في المشهد الإقليمي، المربك أساساً بالعديد من الملفات الخلافية المزمنة. وبإزاء ما يجري في العراق واليمن وفلسطين والحادث الأمني الأخير في السعودية، ثمة ما يستحق التأمل في ما يتصل بالشأن اللبناني الذي يتأثر سلباً بتدهور العلاقات العربية العربية أو العربية الغربية، وهو ما عبّر عنه الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الإتحاد الأوروبي خافيير سولانا بالتشديد على ضرورة "تشكيل الحكومة في لبنان لمواجهة التحديات في المنطقة".
الواقع أن هناك من يشير إلى أزمة مفاجئة في العلاقات الجديدة والهشة بين الولايات المتحدة الأميركية والنظام السوري، وهي تنعكس سلباً في العراق وفلسطين ضرباً للاستقرار، وفي لبنان عرقلة لتأليف الحكومة وحملة منسقة على المحكمة الدولية، فيما تردّد أوساط سياسية ان سوريا لن تساعد على حل المشكلات في لبنان بما فيها موضوع تأليف الحكومة ما لم تتأكد من ان القرار الظني لا يتضمن اتهاما لها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
رسالة بغداد الدموية
أكبر مظاهر هذه الأزمة، ما بات يعرف بأحداث الأربعاء الأسود في العراق. فالحكومة العراقية استدعت سفيرها في دمشق، وطالبت النظام في سوريا بتسليمها عراقيين مقيمين على أرضها يتهمهم العراق بالمسؤولية عن التفجيرات التي أوقعت مئات القتلى والجرحى قرب وزارتي الخارجية والمالية، وبإيواء وتسهيل مرور العناصر التي تدخل أراضيه بهدف زعزعة الأمن وضرب الاستقرار فيه، وأكثر من ذلك مطالبة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بانشاء محكمة دولية تتولى النظر في هذا الأمر بعدما غضت سوريا الطرف عن كل المطالبات والنصائح العربية والدولية لها بتسليم المتهمين بأعمال العنف الى بلادهم ومنع تسلل الارهابيين الى الدول المجاورة لضرب استقرارها والإفادة منه سياسياً.
ويبدو أن تسارع هذه التطورات، وخصوصاً الموقف العراقي الرسمي، أربك سوريا، التي ظلت لسنوات تتحرك بمنأى عن تظهير دورها المباشر في ما يجري في دول الجوار، ومن ثم زاد من "طمأنينتها" مقاربة إدارة الرئيس أوباما للعلاقات المستجدة بين واشنطن ودمشق، لكنها بقيت تميل الى إعتماد المقاربات التركية والأوروبية التي "تضمن" لها حرية حركة ونفوذ في لبنان وفلسطين وغيرها.
مراجعة الحسابات
هذه التطورات تزامنت مع هجوم سوري، عبر الصحافة، على الرئيس المكلف تشكيل الحكومة في لبنان سعد الحريري، بينما انتقد مسؤول أميركي، في تصريحات نقلتها جريدة "النهار" قبل أيام، سوريا، بما قال انه يعكس خيبة أمل الإدارة الأميركية من سلوك النظام السوري وعدم ايفائه بما التزمه من تعهدات، محملاً سوريا مسؤولية عرقلة مساعي تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان من خلال "أصدقائها الذين لا يريدون ان يقبلوا نتائج الديموقراطية"، واضاف "السوريون يخطئون اذا اعتقدوا ان علاقاتهم معنا لن تتأثر بسبب ما يفعلونه في لبنان".
تصريحات المسؤول الأميركي رأت فيها مصادر متابعة انعكاساً لأزمة تمر بها العلاقات السورية الاميركية، مشيرة الى أن ثمة خلافا يتصاعد بين واشنطن ودمشق بلغت ذروته في تفجيرات الأربعاء في بغداد، وقالت ان الرئيس بشار الأسد كان ينتظر خطوة انفتاحية أكبر باتجاه بلاده من إدارة الرئيس أوباما، إلا أنه وجد ان المباحثات التي يخوضها المبعوث الاميركي للسلام في المنطقة جورج ميتشل تكاد تهمل المسار السوري، لا بل كانت طلبات الموفدين الأمنيين الأميركيين محددة وواقعية: عدم التدخل بالعراق وعدم التدخل بلبنان، والدفع باتجاه التوحد في فلسطين.
ورأت هذه المصادر ان دمشق ليست في وارد التخلي عن نفوذها في لبنان مجانا وهي لن تقدم تسهيلات لتشكيل الحكومة من دون ثمن، ليس اقله معاودة الاتصال مع واشنطن ومعرفة موقفها في ضوء المبادرة المرتقبة للرئيس اوباما في الجمعية العمومية للامم المتحدة في نهاية ايلول الجاري، وبرأي هؤلاء فان الحملات الاعلامية التي تشنها الصحف السورية وحلفاء سوريا في لبنان ضد الرئيس الحريري والمحكمة، تقدم دليلا اضافيا على ان السبب الحقيقي وراء تأخر تشكيل الحكومة هو سوري ايراني، راصدة ما وصفته مؤشرات توحي بأن الاسد يحاول التملص من التفاهم السوري السعودي، مشيرة كدليل زيارته الى طهران وما اطلقه خلالها من تصريحات عن حلف رباعي يضم بلاده مع ايران وتركيا و العراق.
إذاً، إن "شهر العسل" الأميركي السوري، الذي روّج له، لم يعمر طويلا على الرغم من الزيارات التي قام بها مبعوثون أميركيون ووفود عسكرية أميركية للعاصمة السورية، ومن تبادل كلام معسول عن آفاق ايجابية للعلاقات بين الدولتين اللتين ظلت تهز علاقاتهما المتأرجحة أصلاً رياح التوتر والشكوك والاتهامات المتبادلة.
المحكمة مجدداً
على خلفية هذه الصورة، يمكن فهم عودة ملف المحكمة الدولية الى الواجهة عبر سلسلة الاتهامات التي أطلقها تباعاً، وبما يشبه العمل المنسق، كل من اللواء جميل السيد، النائب السابق ناصر قنديل ونائب رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" محمود قماطي، وصولاً الى كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم معقباً على المؤتمر الصحافي للواء السيد. وتقول المصادر المتابعة "يبدو ان السوريين الذين كانوا يحاولون استغلال التقارب العربي العربي لإجراء صفقة على حساب المحكمة الدولية، قد فشلوا في محاولاتهم فعادوا لمهاجمتها، بالتصريح المباشر وعبر أدواتهم في لبنان الذين يهددون بنسف البلد بكامله مع مؤسساته ورئاسة الجمهورية وصولاً الى القضاء على قاعدة "السلم الأهلي مقابل التخلي عن طلب الحقيقة والعدالة من خلال المحكمة"، وتسأل عما اذا كانت الحملة ترتبط بالحدة التي تشهدها العلاقة بين دمشق وبغداد، ومطالبة الأخيرة بمحكمة دولية خاصة مشابهة للمحكمة الخاصة بلبنان، وتقول "اذا كان الحال هكذا مع محكمة، فكيف به مع محكمتين"، مضيفة إن "من يأكل العصي ليس كمن يعدها".