تشدّد عون يعفي "حزب الله" من مسؤولية العرقلة
الالتباس بين الداخلي والإقـلـيمي يطيل المأزق
يفوز "حزب الله" في حركة اتصالاته وموقفه المعلن وغير المعلن من تأليف الحكومة بجائزة اعفائه على المستوى السياسي والديبلوماسي على حد سواء من تهمة العرقلة او تعطيل الوصول الى الحكومة العتيدة، في حين يتصدر رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" العماد ميشال عون الواجهة في تحمل المسؤولية عن التعطيل الحاصل. لا بل ان الحزب مقنع ايضا من خلال علاقاته العامة، على نقيض الاتصالات التي تحصل مع اركان في "التيار العوني"، بأمرين رئيسيين تتداولهما الاوساط الديبلوماسية: الاول ان الحزب لا يحبّذ التشدد الذي يبديه حليفه، لكنه لن يقدم اطلاقا على توجيه اي انتقاد علني اليه او احراجه، وهو حريص جدا على هذا التحالف. وينقل عنه ان الامر يبقى ممكنا ومحتملا في اطره الراهنة، وان الوقت وإن غدا ملحاً لم يصبح شديد الوطأة بعد بحيث يمكن ان يضغط الحزب على حليفه لابداء بعض المرونة في مطالبه في حال شعر بامكان خسارته له، أي ان يفك عون تحالفه معه وهذا لن يحصل على الأرجح.
والامر الاخر يتصل باقناع الحزب المتصلين به، على نحو مباشر او غير مباشر، بأن من مصلحته المباشرة تأليف حكومة في اسرع وقت انطلاقا مما عبر عنه الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله من ضرورة التعجيل في تأليف الحكومة لمواجهة التحديات الاسرائيلية على رغم الاقتناع بان لا حرب في المدى المنظور ولن تقدم اسرائيل ولا الحزب على تقديم الذرائع من اي نوع، وان من مصلحة الحزب تثبيت المكاسب التي حصل عليها في الحكومة.
والمفارقة لافتة، على رغم اعتبار كثيرين ان مطالب عون تشكّل واجهة تعطيل اقليمية لتأليف الحكومة العتيدة، لكون عون سجّل اولى خساراته الديبلوماسية الخارجية بعد عودته الى بيروت في ايار 2005 من خلال تحالفه مع "حزب الله" في شباط 2006، في حين ان الحزب هو صاحب الامتدادات الاقليمية، أما عون فينأى عن ذلك في المبدأ. ويبدو الجنرال متراجعا على نحو مطّرد، منذ تاريخ عودته، في كسب اي تفهم خارجي لمواقفه، نقيض "حزب الله" الذي يتقدم في محطة سياسية بعد اخرى، وخصوصاً بعد اتفاق الدوحة من اجل كسب المزيد من التفهم الخارجي لمواقفه او على الاقل يظهر حرصا اعلاميا وسياسيا على ذلك.
من هذه الزاوية يبرز الالتباس في الحلحلة والتعاون من جهة الحلفاء الاقوياء لسوريا في لبنان اي حركة "امل" و"حزب الله" بما يبعد عنهما الاتهامات المباشرة بالتعطيل، على رغم ان حلفاء آخرين لدمشق سبق ان بشّروا بتأخير الحكومة، ووقوع تبعة العرقلة والتعطيل على عاتق العماد عون، الامر الذي لا يكسبه الكثير من المودة على المستوى الديبلوماسي في الخارج راهناً، كما حصل في مرحلة التصلب والتأخير في انتخاب رئيس الجمهورية.
لكن واقع الامر هو ان هذا كله يؤدي الى تظهير الازمة بالنسبة الى بعض الخارج على انها محض داخلية من دون اي بُعد خارجي، في حين ان الوضع معقد بوضوحه وعدم وضوحه في آن واحد، وبعضهم يقول انه ينطوي على كثير من الخبث السياسي. ويقول "التيار العوني"، في معرض نفي البُعد الخارجي لشروطه المرتفعة، ان الجميع يمكن ان يشهدوا حل مشكلة الحكومة متى اعطي "التيار العوني" مطالبه، وعدم حلها اذا لم تلب مطالبه، متكئا على اعتبار انه يدير اللعبة مع حلفائه وليس العكس، إذ يعجز "حزب الله" عن الخروج على التحالف الاستراتيجي معه وعن دعمه تاليا وانه ليس أداة في يد الحزب او في يد السوريين او يشكل واجهة لهؤلاء من اجل حض الخارج على مطالبة سوريا بالتدخل للتسهيل وتاليا تعزيز موقعها في لبنان. وذلك مع علم زعيم "التيار" جيدا ان التجاوب مع شروطه لا يضعف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وحده بل يضعف ايضاً رئيس الجمهورية ما دام عون يسعى الى منافسة العماد ميشال سليمان وانتزاع حصته في وزارة الداخلية وفي الحصة المارونية تحديدا بحيث يستحيل التجاوب مع شروطه. كما لفت على نحو كبير في الايام الاخيرة تصاعد حملة متناغمة في شأن المحكمة الدولية بعد اشهر من الصمت كانت لتمر مرور الكرام تبعا لمواقع من ساهم فيها لولا دخول وزير الخارجية السوري وليد المعلم على الخط مستندا الى احد المواقف كي يدلي بدلوه في موضوع المحكمة على رغم اعتباره إياها شأنا يخص لبنان والامم المتحدة على ما يكرر كل مرة.
هذا الموضوع ككل يترك لبنان معلقا عمليا في مأزق كبير من دون خيارات مفتوحة: فاذا قال المسؤولون أن اسباب ازمتهم خارجية، أي سورية، فهذا يعني عمليا احتمال استدراج وساطة عربية او غربية للتدخل لديها من اجل تسهيل الازمة، على قاعدة انه بما ان سوريا تشكل جزءاً من الازمة فهي جزء من الحل ايضا وتعمل وفق مصالحها. وهذا ما لا يريده هؤلاء المسؤولون ولا مصلحة لهم فيه لكونه ينعكس سلبا على مواقع المرجعيات الأساسية في لبنان ويعيد الى سوريا نفوذا اكبر في الداخل اللبناني. واذا قالوا أن الازمة داخلية فحسب فان العجز عن حل المشكلة يقع على عاتقهم وحدهم، في حين ان الازمة قد لا تكون كذلك وان كثراً يجزمون بأن ازمة الداخل هي الواجهة لا غير.