ملاحظات دستورية لتصويب الجهل والانحراف
المحامي جورج ابو صعب
بموازاة الفاجعة التي يمر بها الوطن مع بعض اقطاب الاقلية المعارضة فيما يتعلق بتعثر تأليف حكومة ائتلاف وطني – وترافقا مع الظاهرة المتفشية لدى هذا البعض في تفسير الدستور على هوى مصالحه واهوائه – وللاضاءة على جوانب اساسية من النظام الدستوري والسياسي اللبناني – نرى ان الاوان قد ان لثورة دستورية مضادة تعيد الامور الى نصابها القانوني في النظام وتسكت الى الابد ابواق النشاذ والانحراف السياسي والوطني الذي تطالعنا به المعارضة – الاقلية يوميا.
من أجل تحقيق هذه الاهداف وانقاذا لروح ونص الدستور اللبناني "المضطهد" و"العالة " على البعض نرى تسجيل بعض الملاحظات التصويبية والتقييمية لحقيقة الدستور وحتميته في الحياة الوطنية الان وفي اي حين علنا نوفق في اثارة بعض الوعي لدى من لا يريد ان يعي وبعض العلم لمن يدعي العلم وهو جاهل.
اولا : في الزامية النص الدستوري: ان الدستور اللبناني هو من القوانين المسماة امرة lois imperatives – والقوانين الامرة هي تلك التي تضع حدودا وقيودا لحرية ونشاطات الاشخاص الملزمين بالتقيد بها من ضمن منظومة جماعية منتظمة – ولا يملك احد الحق بمخالفتها او السير بمعزل عنها في مجالات حكمها وتطبيقها – رعاية للمصالح العامة التي تنظم الحكم في البلاد والحقوق السياسية للجماعة الوطنية (Encyclopedie Dalloz- Ordre Public – No. 10 a 15 )
فالدستور رأس القوانين الامرة ومن هنا الاسلوب المعقد لتعديله حفاظا على طابعه الالزامي والنهائي في تنظيم الحياة المؤسساتية والمصالح والحقوق والحريات العامة للناس – من هنا تعلق النص الدستوري بالنظام العام الى جانب النصوص الادارية والمالية والجزائية ونظام الضرائب والنظام الاقتصادي في البلاد – فكلها تدخل في صميم النظام العام ( Planiol – Ripert et Boulanger – Traite elementaire de Droit civil – vol.1 – Paris 1948 – No. 6)
ثانيا : الدستور هو المصدر الاول للتشريع : ففي النص الدستوري تتظهر الاهداف والامال والتوجهات الموجودة لدى الجماعة والتي تعبر عن ضمير الشعب – فيقبل بها هذا الاخير كمبادئ سامية تثبت اللحمة بين اللبنانيين وتقوي اواصر التضامن الوطني بين ابناء الوطن الواحد كاساس لنهوض المجتمع من خلال مؤسسات تتميز عن سواها بعامل الاستمرارية كما يقول العلامة القانوني الفرنسي جان دو لا مورانديير Jean De la Morandiere .
وبالتالي ثمة مبدأ دستوري هام يتكلم عن سمو الدستور la suprematie de la Constitution وبموجبه كل التشريعات والانظمة والقوانين والاعمال الادارية والسياسية في الحياة العامة للجماعة السياسية يجب ان تتقيد بالدستور وتلتزم به – لان السلطة الدستورية تحتل رأس الهرم في تنظيم الدولة فلا رقابة على السلطة الدستورية الا رقابة الشعب الذي هو بموجب مقدمة الدستور مصدر كل السلطات – تلك الرقابة التي تمارس عبر الانتخاب اي تجديد الطبقة الممثلة للشعب في مجلس النواب – والتي تفرز الاكثرية والاقلية – فتفوض الاكثرية للحكم وتدع الاقلية تعارض وتراقب وتحاسب وتعرض البدائل عن سياسات الاكثرية الحاكمة – فالدستور اذا هو الحكم الاعلى في الدولة والمرجع الاساسي الذي يحتكم اليه الجميع حكاما ومحكومين لتسيير وتنظيم الحياة العامة للدولة وللمؤسسات سواء في المجالات القانونية والتشريعية والقضائية والتنفيذية.
ثالثا : الدستور هو المعيار الاعلى لقياس صحة اعمال السلطتين التشريعية والتنفيذية: عبر ما يعرف بمراقبة دستورية التشريع والاعمال الادارية من مراسيم تشريعية ومراسيم عادية وتنظيمية وقرارات وفي هذا الاطار نتوقف عند الاتي :
1- لقد انشأ الدستور اللبناني في المادة (19) منه مجلسا دستوريا لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية – واستنادا لهذه المادة الدستورية صدر القانون رقم (250) بتاريخ 14/7/1993 ومن بعده القانون رقم (243) حول النظام الداخلي للمجلس الدستوري وقد نظم هذين التشريعين اعمال المجلس الدستوري – ما يعني ان النظام الدستوري اللبناني اخذ بمبدأ الرقابة على دستورية القوانين – فلا يصح ولا يجب ان يصح ان يصدر اي تشريع مخالف للدستور لانه يعتبر باطلا بطلانا مطلقا لتعلقه بالنظام العام – وقد سجلت خروقات كثيرة لهذا المبدأ من دون ان تمارس بفعالية الرقابة على دستورية القوانين وفي طليعتها دستورية قانون انتخابات 1960 المخالف للدستور ولوثيقة الوفاق الوطني في الطائف التي هي اساس الدستور الحالي للجمهورية .
2- ان السلطتين التشريعية والتنفيذية كما السطة القضائية بطبيعة الحال مقيدتان بدستورية اعمالهما : ففي فرنسا ومنذ 1946 انشئت اجهزة رقابة دستورية على التشريع بدأت باللجنة الدستورية لرقابة القوانين انتهاء بدستور الجمهورية الخامسة الذي اقر انشاء المجلس الدستوري، وقد اقرت الرقابة المسبقة على القوانين العادية قبل اصدارها. كما ان في المانيا اقر مبدأ التزام السلطات الدستورية الحاكمة بدستورية القوانين العادية سنة 1949 وانشئت المحكمة الدستورية التي ومن جملة ما قامت به اصدارها قرار حل الحزب النازي عام 1952 لعدم دستوريته. وفي مصر اصدر القضاء الاداري في 10 / 2/1948 قراره الشهير الذي فيه اعتبر انه اذا تعارض قانون عادي مع الدستور في احدى المنازعات امام المحاكم يتعين ان تطرح القانون العادي وتهمله وتغلب عليه القانون الدستوري الذي هو اولى بالتطبيق .(سليمان مرقس – المدخل للعلوم القانونية – طبعة رابعة – رقم 92 )
3- وبالتالي فان صحة الاعمال والتشريعات والقوانين الصادرة في الجمهورية اللبنانية تحدد وفقا للدستور ونصوصه لا وفقا للاهواء والمزاجيات والمصالح الضيقة – ومن يطالب بتطبيق الدستور لا يكفر وليس بكافر بل كمن يعمل ويشرع ويمارس سلطات بعكس وخلاف الدستور ونصوصه، ويسيء الى الدستور والى البلاد – فالرقابة الدستورية تنطبق ايضا على اعمال السلطة التنفيذية اي المراسيم الاشتراعية (التي لها قوة القانون) والتي تخضع لرقابة المجلس الدستوري استنادا للمادة (الاولى ) والمادة (الثامنة عشرة ) من القانون رقم (250) والمراسيم التنظيمية والقرارات الادارية الخاضعة لسلطة مجلس شورى الدولة: وفي هذا المجال حدد القانون اللبناني اليات الرقابة بحيث تمارس على وجهين:
أ- من خلال نظر المحاكم العدلية عندما يقدم دفع من احد الخصوم اثناء المحاكمة طعنا بقرار او بمرسوم تنظيمي او اداري اثير امامه او في وجهه: فيتعين على المحكمة العدلية ان تتوقف عن السير بالمحاكمة واعطاء مهلة للطرف الذي ادلى بهذا الدفع للتقدم بدعوى اصلية امام مجلس شورى الدولة للفصل في الدفع – كذلك يحق للقاضي الجزائي ان يمتنع عن تطبيق اي مرسوم او قرار مخالف للدستور او للقوانين كمثل قرار ينال من حق ملكية فرد او من حريته الشخصية …
ب- من خلال التقدم بمراجعة اصلية مباشرة امام مجلس شورى الدولة لابطال المرسوم او القرار الاداري المخالف للدستور .
رابعا : في تفسير النص الدستوري : ان النص الدستوري يطبق بحصريته شكلا ومعنى اي انه غير قابل للتفسير الموسع – فالنص الدستوري بما انه النص الاعلى فانه يصح ان يطبق الا كما جاء في حيثياته ومضمونه ومبتغى المشرع الدستوري- فانطلاقا من ان النص الدستوري هو اسمى القواعد القانونية الموجودة في الدولة فتعلو – كما ذكرنا على ما عداها من قواعد نافذة – وبما انه يتوجب عملا بمبدأ سمو الدستور احترام القواعد الدستورية من جانب جميع الهيئات الحاكمة في الدولة – فان النص الدستوري يطبق بذاتيته دون اي توسع في التفسير والتأويل – فيطبق عليه التفسير او الشرح على المتون كما يقال في العلم الدستوري ECOLE EXEGETIQUE : وللمثال ثمة قول مأثور لاحد اساتذة القانون الفرنسي الفقيه "بونييه" BUGNET قال :"… لا اعرف القانون المدني بل اعلم قانون نابوليون " فهذا القول مثال التقيد بحرفية النص وهو الاسلوب المطبق على الدستور كما على كافة النصوص العامة المنظمة لشؤون الدولة والمؤسسات والمرافق العامة – ومن ابرز نتائج هذا التفسير الضيق للنص الدستوري مبدأ " ان لا سبيل للاجتهاد امام النص الصريح " وليس بالتالي لاي قاض – فكم بالحري لاي سياسي او زعيم – ان يحل محل المشرع التأسيسي عملا بمبدأ اخر يقول : " القانون قاس ولكنه القانون " وباللاتينية : DURA LEX SED LEX – ما يوجب بالتالي التقيد التام بالنص الدستوري وترك المجلس الدستوري وحده يطبقه وبالتالي يتولى ملاءمته مع كل طعن او طلب من اصحاب الصفة والحق بالطعن او الطلب منه – فالنص الدستوري لا يطبق الا بالمعنى والمبنى الضيق للتعبير والمعنى وذلك ضمانا للحقوق والاستقرار في المؤسسات وما على الجميع سوى التقيد بالنص كما هو دون اشتراع تفسيرات وتأويلات لا قيمة دستورية ولا قيمة قانونية لها .
وفي الخلاصة : وبعد ان حللنا الخصائص الاساسية للنص الدستوري نستطيع التأكيد على ان النص الدستوري ملزم ومتعلق بالنظام العام – وبالتالي يفرض سموه على المؤسسات وتنظيم الحياة العامة ولا يجوز تفسيره الا تفسيرا ضيقا بما يحفظ للنصوص وحدتها وللمؤسسات استقرارها القانوني والشرعي وللدولة استمراريتها وتقدمها – وبالتالي بطلت كل المحاولات الايلة الى ايجاد تفسيرات وتأويلات لبعض النصوص الدستورية في وقت هي واضحة بوضوح النص، ولا يملك احد سوى التقيد به والعمل بموجبه – فعلى من يجب ان يفهم فليفهم على امل ان تصل الرسالة الى حيث يجب.