السعودية أعادت تقويم مقاربتها السابقة حيال لبنان
سليمان والحريري يتجنّبان أي استدراج لحل خارجي
عادت نغمة التشديد على "معادلة س. س." في الخطاب الاخير الذي القاه رئيس مجلس النواب نبيه بري لمناسبة ذكرى تغييب الامام موسى الصدر، على نحو تزامن مع معاودة الحوار الداخلي حول تأليف الحكومة وانعقاد لقاء بين الرئيس المكلف سعد الحريري والنائب الجنرال ميشال عون. ولم يتأخر النائب وليد جنبلاط في ضم صوته الى صوت بري من خلال اعتباره ان لا بد من شراكة عربية سورية – سعودية غير معادية لإيران من اجل التوصل الى تأليف الحكومة. لكن هذا لا يبدو موقف كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وموقف الرئيس المكلف، باعتبارهما المعنيين الاساسيين بتأليف الحكومة، اذ ان الرئيس سليمان من موقعه كمرجعية وطنية لن يرغب في استدراج او طلب حل من الخارج، على رغم معرفته على الارجح ان الازمة الداخلية تتصل بامتدادات خارجية. وهو يعتبر ان مصلحة لبنان ان تحل ازمته في الداخل وإن من خلال تنازلات مؤلمة ايا تكن طبيعتها، باعتبار ان هذه التنازلات تظل افضل من اي استجداء خارجي من اجل التوصل الى حل لولادة الحكومة.
وعبر سليمان عن هذا الموقف بوضوح في الافطار الرمضاني الذي اقامه يوم الثلثاء المنصرم، وهو مصر على ذلك ايضاً على رغم علمه بان المطالب التي قدمها العماد عون مرتفعة وانه لا يناور في شأنها وفق ما خلص اليه نتيجة اللقاء الذي عقد برعايته في قصر بعبدا بين الرئيس المكلف ورئيس "التيار العوني" وذلك لجهة مطالبة عون واصراره على اعادة توزير صهره الوزير جبران باسيل انطلاقا مما قال واستناداً الى معلومات أفادت بأنه لا يقبل البحث في موضوع توزير صهره انطلاقا من رفضه البحث في خصوصياته، علما ان المنصب او الموقع هو منصب عام وليس أمراً يخص "التيار الوطني الحر" في تفاصيله الداخلية. كما تبين ان العماد عون لا يناور في موضوع اصراره في الحصول على وزارة الداخلية، مضمنا مطالبته بها ما يشبه الانتقاد الشخصي لكل من الرئيس سليمان ولوزير الداخلية زياد بارود معتبراً انهما لم يحسنا ادارة الوزارة، وعلى قاعدة انه افضل من يعرف بقضايا الأمن، علما انه اشتكى ايضا من عدم استشارته مرة في المسائل الامنية ولديه من الخبرة الامنية ما يؤهله لذلك. ومع ان حل هذه المطالب لا يبدو سهلا بل على النقيض من ذلك، خصوصا انها مطالب لا حدود لها في رأي كثيرين وان عون يخوض بالنسبة الى المراقبين معركة رابحة على كل الأصعدة في تصلبه للحصول على مطالبه او حتى لو تمت تلبية بعضها لأنه سيستثمر ذلك لدى المسيحيين، فان الرئيس سليمان لا ييأس من استمرار المحاولات الداخلية، خصوصا ان لا بديل منها ولا بد من بلورة مخرج ما في وقت من الاوقات يفضله الرئيس سليمان قبل توجهه الى الامم المتحدة للمشاركة في اعمال الجمعية العمومية، لكن هذا لا يبدو محتملا على الارجح.
وينسحب الامر على تفضيل محاولة التوصل الى حل داخلي للأزمة على الرئيس المكلف الذي يتناغم في مواقفه مع مواقف رئيس الجمهورية نظراً الى الكلفة المرتفعة التي يمكن ان يرتبها اي تدخل، خصوصا متى كان سورياً على لبنان وعلى موقع المراجع المعنية، اي موقعي الرئاسة الاولى والرئاسة الثالثة. وفي الوقت نفسه تفيد معلومات ان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز ليس في وارد الطلب الى سوريا ان تكف يدها عن التدخل في لبنان وتمنع تأليف الحكومة، لان ذلك لن يكون في مصلحة لبنان بل ان اي طلب سيرتب اعترافا ضمنيا بان لا حل ممكنا في لبنان من دون سوريا، ولا ترغب المملكة في تكريس هذا الواقع او على الاقل تكريس دور سوريا كلاعب رئيسي لا بد منه في لبنان. وتاليا لن تعاود الاتصالات السعودية – السورية قريباً، كما ان الملك السعودي لن يزور سوريا في وقت قريب خلافاً للتوقعات التي سادت خلال شهر تموز وحتى منتصف آب الماضي اي قبيل بدء شهر رمضان، علما ان بعضهم راهن على مشاركة الرئيس السوري بشار الاسد في افتتاح "جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية" في 23 ايلول الجاري، اي تزامنا مع اعمال الجمعية العمومية للامم المتحدة.
وكان الملك السعودي دعا الزعماء العرب الى المشاركة في حفل الافتتاح على اساس انه قد يشكل منطلقا للقاءات ثنائية تساهم في حلحلة بعض التعقيدات في العلاقات الثنائية والاقليمية.
وبعدما تبين ان الرئيس السوري لن يشارك على الارجح في هذا الحدث، تبين أيضاً ان الحسابات السعودية أسقطت تلك الغاية، أقله في المرحلة الراهنة، حتى وان كان ذلك يؤدي في المبدأ الى اطالة عمر الازمة الحكومية في لبنان. ومرد ذلك بحسب مصادر مطلعة الى ان امراً ما حصل على نحو جدي في طريقة معالجة المملكة للعلاقات بين لبنان وسوريا، ولعل المملكة السعودية تراجعت عن اسلوب مقاربتها سابقا واجرت تقويماً شاملاً لسياستها او اسلوب مقاربتها السياسية السابقة دفعها للجم الاندفاع الذي قامت به في تموز الماضي لدى انطلاق تأليف الحكومة العتيدة. وقد تأثر الموضوع الحكومي نتيجة لذلك، مما يفسر عودة بعض السياسيين اللبنانيين الى التشديد على ضرورة توافر هذا العامل من اجل تأليف الحكومة. في الوقت نفسه يعتقد مراقبون ان سوريا تميل الى التشدد تحت الضغط الذي يمثله الموضوع العراقي الذي قفز الى الواجهة مع تبادل استدعاء السفراء وتوجيه الاتهامات الى سوريا برعاية ارهابيين، فضلا عن انها لم تقدم شيئا في الموضوع الفلسطيني على نحو لا يؤمل معه كثيرا في التعامل بايجابية مع موضوع تأليف الحكومة في لبنان في المرحلة القريبة.