#adsense

إلى متى يظلّ لبنان ساحة مفتوحة ولا دولة قوية فيه ؟

حجم الخط

إلى متى يظلّ لبنان ساحة مفتوحة ولا دولة قوية فيه ؟
كل الاتفاقات وضعت اللبنانيين أمام خيارات صعبة

هل كتب للبنان ان يظل ساحة لصراعات المحاور العربية الاقليمية والدولية وان يدفع اللبنانيون من ارزاقهم وارواحهم ثمن ذلك، وما حان الوقت للبنانيين ان يتفقوا على تحييد بلادهم عن هذه الصراعات باقفال هذه الساحة في وجه الجميع، باقامة دولة قوية قادرة على حماية نفسها وحماية ابنائها من كل اعتداء او تعد عليهم؟

يقول من عاشوا المراحل التي مر بها لبنان وكان ساحة للصراعات قبل الاستقلال وبعده، ان لبنان خضع لحكم الدولة العثمانية، ثم لحكم القائمقاميتين، ولحماية الدول الست، ومن ثم لحكم المتصرفية، واخيرا لحكم الانتداب الفرنسي بفعل الصراعات على ارضه، حتى ان معركة الاستقلال كانت نتيجة صراع على النفوذ بين فرنسا الدولة المنتدبة وبريطانيا الدولة الطامعة بوضع حد للنفوذ الفرنسي في المنطقة وتحديدا في لبنان وسوريا، ولم يتم التوصل الى اتفاق جميع اللبنانيين وتوافقهم على ما عرف بميثاق 43 غير المكتوب، فكانت فئة مع بريطانيا ومع هذا الميثاق وفئة مع فرنسا وبالتالي ضده، بحيث ان الصحافي المعروف جورج نقاش كتب يومذاك مقاله الشهير في صحيفة "الاوريان" الفرنسية تحت عنوان: "سلبيتان لا تؤلفان امة". ولم يدم العمل بهذا الميثاق طويلا لان مقولة "لا للشرق ولا للغرب"، اي لا لوحدة مع سوريا ولا لحماية من فرنسا، لم تستجبها فئة فعادت لتجعل سوريا وغير سوريا تتدخل في شؤون لبنان الداخلية، وفئة اخرى تحول وجهها نحو الغرب وتحديدا فرنسا وبريطانيا.
وأدى اعتراض فئة على مواد في الدستور الى المطالبة باعادة النظر فيها لانها تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة جعلته "ملكا على جمهورية" فيما جعلت رئيس الحكومة "باشكاتب" الى ان صار تعديلها في لقاءات الطائف.

وكان لبنان يوضع دائما امام الخيارات الصعبة. فعند وضع ميثاق 43 خُيِّر اللبنانيون بين القبول به لنيل الاستقلال او العودة الى حكم الانتداب الفرنسي، ثم خُيّر اللبنانيون بين القبول باتفاق 17 ايار شرطا لانسحاب القوات الاسرائيلية على ان يتبع ذلك انسحاب القوات السورية من لبنان، وكان الشرط الاخير سببا لوقوف سوريا ضد الاتفاق وتحريض حلفائها في لبنان على الانقضاض عليه في الشارع، فلم يوقعه الرئيس امين الجميل رغم مصادقة الحكومة ومجلس النواب بشبه اجماع عليه، واستمر احتلال القوات الاسرائيلية للجنوب رغم القرار 425 الذي يدعو لانسحابها بدون قيد او شرط واستمر الوجود العسكري السوري في لبنان بحجة حفظ الامن فيه، اي بقاء متزامن بدلا من انسحاب متزامن…

كذلك خير اللبنانيون بين القبول بـ"اتفاق القاهرة" مع علاته او مواجهة حرب لبنانية – فلسطينية تفوق خسائرها البشرية والمادية ما في هذا الاتفاق من شوائب فوافقت الحكومة ومجلس النواب ولو من دون اقتناع عليه لتجنب وقوع فتنة داخلية، الا انها وقعت وكانت الحروب في لبنان التي استمرت 15 سنة وقفت فيها دول عربية الى جانب الفلسطينيين وتركت لبنان وحده في المواجهة…

وخير اللبنانيون بين القبول بالاتفاق الثلاثي او استمرار الازمة الداخلية، وعندما رفضته فئة لبنانية مسلحة وقامت بحركة انقلابية غيرت فيها موازين القوى داخل ما كان يسمى المنطقة الشرقية، استمرت الحروب في لبنان الى ان اوقفها التوصل في لقاءات الطائف الى وضع "وثيقة الوفاق الوطني" التي عرفت بـ"اتفاق الطائف". وخير اللبنانيون ايضا بين القبول بهذه الوثيقة مع ما تتضمنه من شوائب، او الاستمرار في مواجهة ويلات الحروب، فكانت الموافقة على هذا الاتفاق في مجلس الوزراء، ثم في مجلس النواب، واقترنت هذه الموافقة بتأييد عربي ودولي. وتوصل "اتفاق الطائف" الى وقف الاقتتال في لبنان بواسطة القوات السورية التي دخلت اليه بموافقة عربية ودولية. وتمت التعديلات على الدستور اللبناني القديم، وكان ابرزها نقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا.
 
وكما ان الخلل في التوازن الداخلي فرض هذه التعديلات لمصلحة الطائفة السنية، وعلى حساب الطائفة المارونية، فان عودة هذا الخلل مع وجود فئة لبنانية مسلحة احدث خللا جديدا الى المطالبة باعادة النظر في دستور الطائف، علّ ذلك يكون لمصلحة الطائفة الشيعية على حساب الطائفة السنية، وان تحت ستار تعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية المارونية…

وها ان اللبنانيين يوضعون اليوم مرة اخرى، امام خيارات صعبة، فاما القبول ببقاء سلاح "حزب الله" لانه سلاح مقاوم لا يجوز التخلي عنه قبل ان يتم تحرير ما بقي من الاراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها اسرائيل، او الى ان يتحقق السلام ويزول خطر الدولة العبرية. وهذا يتطلب الاتفاق على "استراتيجية دفاعية" تشرّع وجود هذا السلاح الى جانب سلاح القوات المسلحة اللبنانية، واذا تعذر التوصل الى هذا الاتفاق، فان الاستقرار السياسي والامني والاقتصادي في البلاد يبقى معرضا لشتى الاخطار والاهتزازات، ويبقى بالتالي متعذرا قيام الدولة القوية في لبنان القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، ويصبح مصير تنفيذ القرار 1701 مثل مصير تنفيذ القرار 425 في حاجة الى سلاح المقاومة او الى حرب جديدة، وقد يوضع لبنان امام خيار آخر صعب هو اما الاصرار على معرفة الحقيقة والوصول الى العدالة في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه، وهذا يهدد الامن والسلم الاهلي، واما المحافظة على الامن والسلام الاهلي بالتخلي عن ذلك…

لذا ترى اوساط سياسية ان السبيل الى جعل لبنان دولة قوية وليس ساحة مفتوحة لصراعات المحاور هو في اقناع اسرائيل بالانسحاب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا كي يصير في الامكان العودة الى اتفاق الهدنة المعقود عام 1949 بعد تعديله، فتظل عندئذ الحدود اللبنانية مع اسرائيل هادئة في انتظار ان يتم التوصل الى تحقيق سلام شامل في المنطقة، ولا يعود لسلاح المقاومة وظيفة فيصير التخلي عنه طوعا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل