هل تبقى البلاد في الانتظار ما دامت الخلافات بلا حل؟
حكومة ترضي بأعمالها الجميع أفضل من حكومة تضمّ الجميع
اذا كان تشكيل حكومة وحدة وطنية بات مرتبطاً بحل الخلافات بين دول عربية من جهة ودول عربية وغربية من جهة اخرى، فهل تبقى البلاد من دون حكومة الى ان يتم التوصل الى حل هذه الخلافات؟ واذا كانت الخلافات الداخلية يغلب عليها الطابع المذهبي اكثر من السياسي، ويتعذر التوصل الى حل لها بموجب الدستور الحالي، فهل تبقى البلاد بدون حكومة الى أجل غير معروف او الى حين يتم التوصل الى اتفاق على دستور جديد ونظام جديد؟ واذا كانت الاوضاع في البلاد ذاهبة في انحدار سريع نحو الهاوية ونحو الأسوأ كما يقول الرئيس نجيب ميقاتي، فهل يقف الزعماء مكتوفين ولا يحاولون معالجة الخلافات والمشكلات بهدف الاتفاق على تشكيل لو حكومة انتقالية تمهد لتشكيل حكومة تأسيسية، والكف عن سياسة الاستفزاز والنكاية والتحدي؟
في حلقة ضمت بعض النواب والسياسيين جرى عرض للوضع الراهن المعقد، وبحث في سبيل الخروج منه، فكان رأي بعضهم انه اذا أصبح متعذراً تشكيل حكومة وحدة وطنية فلماذا لا يصير بحث في تشكيل حكومة من الاكثرية لاختبار ردة فعل المعارضة، وهل ستذهب بموقفها ابعد من حجب الثقة عنها، وتتحمل المسؤولية امام الناس، او لماذا لا تشكل حكومة اقطاب برئاسة سعد الحريري وعضوية نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي عن السنة والرئيس امين الجميل والعماد ميشال عون وسمير جعجع عن الموارنة وثلاثة وزراء عن الشيعة يسميهم "حزب الله" و"حركة امل" ووليد جنبلاط عن الدروز، وميشال المر عن الارثوذكس وميشال فرعون عن الكاثوليك ووزير عن الارمن. لكن تشكيل هذه الحكومة في رأي البعض قد يتحمل بذور تفجيرها من الداخل وفي اي وقت لأن لا شيء يجمع بين اركانها سوى الكراهية، ولتفادي حصول انهيارها من الداخل، ينبغي الاتفاق على تحديد مهمتها والتفاهم على كيفية مواجهة الاستحقاقات المقبلة سياسية كانت او امنية او اقتصادية او مالية، لأن حكومة اقطاب اذا انفجرت فانها قد تفجر فتنة يستحيل بعدها تشكيل اي حكومة، وتدخل البلاد عندئذ ليس في ازمة حكومة بل في ازمة حكم تقود الى المجهول.
وطرح اقتراح بتشكيل حكومة من خارج مجلس النواب بالاتفاق مع الاحزاب والكتل السياسية الاساسية في البلاد او بدون الاتفاق معها اذا لم تتفق على تشكيلها.
وهذا الاقتراح اثار اسئلة وتساؤلات منها:
هل توافق هذه الاحزاب والكتل على تشكيل مثل هذه الحكومة ومنحها النواب الثقة؟ وهل تمكنها من العمل والانتاج ولا تخلق لها المتاعب داخل مجلس النواب وخارجه؟ وهل يكون في وسع حكومة تضم وزراء بموافقة القوى السياسية الاساسية في البلاد اتخاذ قرارات ومواقف من دون ان يعود عدد منهم الى الاحزاب والكتل التي يمثلونها فتصبح الحكومة عندئذ عاجزة وشبه مشلولة، وتتحول حكومة تصريف اعمال خصوصاً في أدق مرحلة تواجهها البلاد؟
لكن أكثرية من ضمتهم الحلقة ارتأت ان تكون حكومة "الاكسترا البرلمانية" هي أفضل الممكن خصوصاً اذا صار اختيار اعضائها من شخصيات موثوقة ومشهود لها بالكفاية والنزاهة والاستقامة، ومن رجال مال واعمال وهيئات نقابية تجعل هموم الناس ومعيشتهم في سلم اولوياتها، وعندها تكسب هذه الحكومة ثقة الناس فلا يعود في امكان الاحزاب والكتل النيابية التأثير عليهم اذا ما دعوهم الى اضراب او تظاهر او اعتصام، لأن الحكومة التي تقدم لهم الخدمات وتؤمن مصالحهم وتحمي حقوقهم هي التي تؤثر عليهم، خصوصاً بعدما سئموا مماحكات السياسيين ومشاحناتهم التي تعطل مصلحة البلاد والعباد وبعدما شاهدوا فشل تجربة ما يسمى حكومات وحدة وطنية التي تجمع الاضداد والمتاريس داخلها بل الزيت والنار، ذلك ان الناس لا تهمهم حكومة تضم الجميع بل يهتمون بأعمال تقوم بها وترضي الجميع. والناس يهمهم ان تحقق لهم الحكومة أياً يكن شكلها، مستوى معيشة لائقاً وتخلق فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل وتحرك عجلة الحكم وتحقق الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي والمالي. ومتى تأمنت الامور الحياتية على اختلافها للمواطنين، فلا يعود يهمهم الأمور الأخرى المختلف عليها مثل سلاح "حزب الله" والاستراتيجية الدفاعية، وحتى سلاح المخيمات وتنفيذ القرار 1701. فالحكومة التي تتصدى بنجاح لازمة الكهرباء وتجد حلاً لها، والتي تؤمن دخول جميع الطلاب الى المدارس الرسمية للتخفيف عن كاهل العائلات التي لا تستطيع ادخال اولادها الى المدارس الخاصة نظراً الى ارتفاع الاقساط فيها، والتي تؤمن الاستشفاء والطبابة والادوية باسعار مقبولة توصلاً الى تأمين الضمان الاجتماعي لكل اللبنانيين لا سيما ضمان الشيخوخة، وتوحد الصناديق والمؤسسات التي تؤمن الخدمات الطبية والاستشفائية والادوية من أجل وضع حد للتلاعب والهدر، وتؤمن فرص عمل للشباب للحؤول دون هجرتهم وذلك عن طريق تشجيع الرساميل الوطنية والاجنبية على الاستثمار في لبنان، واقامة القضاء المستقل الذي يحمي حقوقهم ومصالحهم، وتضع حداً لاهدار الاموال العامة وخفض الانفاق وزيادة الواردات واطفاء الدين العام.
ان حكومة تحقق كل هذا لن يجرؤ اي نائب على حجب الثقة عنها ولا يجرؤ اي حزب او تكتل ان يتصدى لها او يحرض الناس عليها، لأن ثقتهم بها تصبح أكبر بكثير من ثقتهم بسياسيين يقدمون مصالحهم على مصالح الوطن والمواطن، ولا يرتفعون فوق انانياتهم واحقادهم ويدخلون البلاد في دائرة الصراعات المحلية والاقليمية والدولية، فتفقد عندئذ القدرة والمناعة على مواجهة مضاعفات وتداعيات ما قد يقع في محيطها وفي والمنطقة.
ان تحسين الوضع الاجتماعي وتعزيز الاستقرار المالي ومعالجة المديونية وتحقيق الاصلاح المالي والقانوني والاداري والانفاق الاستثماري والانماء المناطقي والقطاعي وتنفيذ برنامج خفض حجم الدين العام وترشيد الانفاق العام بواسطة حكومة منسجمة ومتجانسة اياً يكن شكلها تبقى اهم من اي حكومة تسمى حكومة وحدة وطنية ولا انسجام بين اعضائها، او حكومة اقطاب كل قطب فيها "يقوطب" على الآخر…
ان حكومة تضع هذه الاولويات في سلم اهتماماتها وتنجح في تحقيق ما يصبو اليه الناس، هي الحكومة التي تجعل لبنان واللبنانيين في منأى من كل ما يتهددها من الداخل والخارج وتنزع ممن يعارضها الاسلحة التي قد يستخدمونها ضدها.